(٣٦) لا تكن إقصائيا


تعد لفظة الإقصاء من الألفاظ الذميمة في ثقافتنا المعاصرة، فتراها تتوارد على الألسنة في سياقات متعددة وصياغات كثيرة تكشف عن نفور الناس منها، وهي سياقات تشترك في التحذير من هذه الممارسة، وذم أصحابها، مع الدعوة إلى ما يقابلها من مفاهيم التسامح، والانفتاح، وسعة الصدر، وتقبل الآخر وغيرها.
الإشكالية في هذه المقولة أنها تتسم بقدر عالٍ من الإجمال يستدعي شيئًا من التفتيش في تفاصيلها الداخلية، فهي من جهة قد تعبر عن معنى مقبول صحيح، كالدعوة إلى اتساع الصدر للخلاف المعتبر، والاستماع لوجهات النظر المختلفة في القضايا ذات الخلاف المحتمل، أو الرفق وحسن التعامل مع المخالف، أو التعاطي الموضوعي معه والذي يضمن السلامة من أي بغي أو ظلم أو فجور في الخصومة.
لكن تبقى مساحة من هذا المفهوم لا تزال مشكلة، وهي مساحة تتخفى في عباءة مقولةٍ ذات إيحاءات سلبية، فتلقي بظلالها السلبية على معانٍ قد تكون حقًّا، وقد يكون في إقصائها أمارةً على انحراف فكري ما.
فالإقصاء يعبر عن إبعادٍ وإزاحةٍ لفكرة أو شخص أو مذهب ما، فنفي الإقصاء مطلقًا يحتم في تصوره الكامل تبني الحياد مع الأفكار جميعًا، واحترامها وتقبلها والتسامح معها. وهذا مشكل جدًا في التصور الإسلامي والذي يقوم على وجود أصول محكمةٍ وقطعياتٍ، فيحكم على ما يخالفها بأنها باطل وضلال، ويرتب على كلٍّ ما يناسبه من الأحكام في الدنيا والآخرة، فالإسلام هو الدين الحق، وما يخالفه من الأديان أديانٌ باطلة، (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )، (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه).
كما أن بعض الأفكار المنتسبة إلى الإسلام مخالفة لأصول شرعية قطعية، ككثير من مقولات الفرق البدعية المصادمة لأصول الاسلام، أو بعض الآراء المصادمة لقطعيات الشريعة، فالفكرة لا تكون حقًّا أو تتحول لرأي مقبول لمجرد أن صاحبها مسلم أو ينتسب إلى الإسلام أو يزعم نسبة فكرته إليه، بل المحكم في هذا الدليل والبرهان.
فلا بد من الوعي بخطورة تمدد النفور النفسي من الإقصاء في الثقافة العصرية لئلا يتحول إلى نفورٍ من بعض أحكام الشريعة نفسها، فيكون هذا النفور النفسي حاكماً على الشريعة من حيث لا يشعر.
ومن تلك المقررات الشرعية التي قد تتأثر بهذه النفسية الواقعة تحت ضغط النفرة من الإقصاء:
1-الحكم ببطلان ما يخالف الإسلام وينافي قطعياته، وهو حكم له حضوره في الدنيا بتسمية هذه الأفكار بأسمائها الحقيقية من كفر أو فسق أو ظلم أو فجور أو فاحشة غير ذلك، وفي الآخرة باعتقاد ما يترتب عليها من جزاء مستحق شرعاً.
2-إقامة العقوبات المستحقة المقررة شرعًا، فالشريعة قد فرضت عقوبات على ما يخالف أحكامها كعقوبة الزنا، وشرب الخمر، والقذف، وحد الردة، ونحو ذلك، ولا يصح أن تسقط مثل هذه العقوبات أو ينفر منها بسبب حالة النفور من الإقصاء.
3-عدم مشروعية الدعوة إلى الأفكار المصادمة لأصول الإسلام، فلا مساواة في النظر الشرعي بين الحق والباطل، وليس من الإقصاء في شيء أن نحفظ ديننا فنمنع من نشر ما يضاد أصوله لأنه من المنكر الذي يجب النهي عنه.
يقول بعضهم: لا إشكال في أن تحكم ببطلان ما تراه باطلاً، وأن تبدي مع ذلك تسامحًا مع الاعتقادات المخالفة لمعتقدك، فاعتقادك لبطلان رأيٍ يظل رأيك، وللآخرين حرية أن يعتقدوا ما شاؤوا.
والجواب: أن محل التأكيد هنا ليس على أحقية المسلم بأن يقول: وجهة نظري أنني على حق، بل الواجب عليه في ظل مساحات الإسلام المحكمة أن يقطع ويجزم بأنه على الحق، وأن يكون مستيقنًا من ذلك، وأن يجزم أيضًا ببطلان أقوال مخالفيه، وهذا القطع بالحق يتجاوز في الحقيقة مجرد الاعتقاد الذاتي، بل يترتب عليه آثار عملية كثيرة كما سبق.
مع أن واقع الحال بأن من يتضخم عنده مفهوم الإقصاء، وتتشرب نفسه النفور الشديد منه فإن الأمر سيؤول به إلى ضياع الجزم بالحق، وستجده وإن كان مسلماً مصلياً صائماً يخجل من الجزم بأن هذا هو الحق القطعي الذي لا ريب فيه، ويستحي من بيان كفر من لم يؤمن بالإسلام، وأن ما هم عليه باطل، مع أن هذا من حيث هو لا يعارض الأصل الليبرالي، لأنه من الحرية الفكرية المتاحة، لكن هذه المقولات الفاسدة فكرياً تنخر في روح الإنسان فتهشم من ثقته وتكسر من اعتزازه فيخجل مما ليس فيه خجل حتى وفق معيار المنظومة الفكرية الباطلة!
والحق أن الأمر هنا يتجاوز مجرد الإشكال الشرعي ووجوب القطع فيما كان قطعيًا من شأن الدين، فإن طرد هذه الفكرة وإبداء مثل هذه المرونة العالية مع جميع الأفكار سيجر صاحبها إلى لون من السفسطة الفكرية والأخلاقية، فثم ضروريات عقلية وأخلاقية لا تقبل التشكيك، فمطالبات نبذ الإقصاء في مثل هذه المساحات غير مقدور عليه فكريًا وخلقيًا، وصاحبه إن كان واقع في السفسطة والمغالطة.
وهذا يكشف عن إشكالية هذه المقولة، وأنها لا تقبل الاطراد، خلافاً لما يتوهمه أصحابها، حين يستعملونها وكأنها حجة ذاتية تمنع من رد الأفكار وصدها.

فهناك حدود سيتبناها الشخص يقينًا، وسيضطر حينها لأن يكون إقصائيًا في مجالات معينة، وبه ينكشف أن مشكلة أكثر من يطالب بعدم ممارسة الإقصاء لمن يعارض محكمات الشريعة، هو في ضمور هذه المحكمات في نفسه، ونزولها في الرتبة عما يجب لها، ولو استحضر أنها من قبيل الضروريات الدينية، لما تنازل عما يجب لها من الجزم بصوابها واعتقاد صحتها، والحكم ببطلان ما يخالفها.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى