(٣٧) التوجس من كل جديد


هذه إحدى المقولات الشائعة، أو بالأصح هي انطباعٌ شائعٌ عند كثير من الناس عن العلماء والمشايخ في عصرنا، وعن الخطاب الديني بشكل عام، وهو أنه يتوجس من كل جديد، فيبادرون إلى تحريمه ومنعه، ويبالغون في الحكم عليه خشية من الذرائع المترتبة عليه، ثم لا تلبث الأيام أن تكشف خطأهم، وتبين عن قصور وعيهم وتشدد مواقفهم، فيعودون بعد ذلك ليجيزوا ما كانوا يحرمونه.
وعادةً ما تسرد أمثلة وفتاوى ومواقف جرى فيها تغير الفتوى من التحريم إلى الإباحة، ومن الرفض الشديد إلى المشاركة، ليكمل بعضهم حديثه بتراجيديا حزينة بأن هذا الخطاب استنزف أعمارنا وحرمنا من المباحات ثم إذا به يتراجع بعد ذلك عن كثير من مقولاته بما يحتم عدم الارتهان كثيراً له، وأن نكون على حذر في تلقي مقولاته، فما الذي يضمن أن لا تتغير هذه الفتاوى مستقبلًا كما تغيرت اليوم.
ونحن هنا يجب أن نميز بين أمرين:
الأمر الأول: التقييم الموضوعي لهذا الانطباع، ومعرفة أوجه الصواب والخطأ فيه، وما كان فيه من حكم موافق للحق أو سائغ، وما تضمنه من بغي أو تجاوز، ودراسة أسباب هذا الانطباع والحكم عليها موضوعياً بلا تحيز، وهذا يتطلب بحثاً خاصاً ليس هنا مجال الخوض فيه، ولعلنا نعود إليه لاحقاً في كتابة موضوعية منصفة لا تبغي على صاحب حقٍ بسبب خطأ وقع فيه، ولا تسكت عن خطأ بسبب حق دعا إليه.
الأمر الثاني: أثر هذا الانطباع السيء -بغض النظر عن حقيقته وكونه واقعًا أم لا- في الوقوع في بعض الأخطاء والانحرافات العلمية والعملية، وما يمكن أن يترتب على هذه الصورة النمطية السلبية من ممارسات وتصرفات وتجاوزات.
فعلى أي حال كان هذا الانطباع، وسواءً سلمنا بصحته كاملاً أم لا، فإن الإشكال يكمن فيما يترتب عليه من أمور مخالفة تتسبب في وقوع انحرافات، ومنها:
1-الإعراض عن الأحكام الشرعية:
فبناءً على هذا الانطباع السيء يلغي بعض الناس من تفكيره الاعتبار للحكم الشرعي رأسًا، وتتشكل عنده نفسية نافرة من الخطاب الديني تجعله معرضًا عن أي نظر في الأحكام الشرعية، أو يكون نظره محكوماً بهذا الانطباع السلبي فلا يقبل من الأحكام إلا ما كان موافقاً له، وهذا في الحقيقة من جنس الهوى الذي يصد الإنسان عن الحق، والواجب على المسلم أن يجتهد في البحث عن مراد الله وأن يبذل غاية جهده في تتبعه، وإذا وجد في زمانه أشخاصًا أو جماعاتٍ أو مؤسساتٍ خالفت الحق، فينبغي أن يستفزه هذا لبذل مزيدٍ من الجهد في البحث عن الحق، لا أن يعرض عنه بسبب تلك المخالفات.
إن حقيقة هذا الإعراض هو معاقبة للنفس بسبب أخطاء الآخرين، فكأنه يقول: بما أنكم تشددتم وحرمتم وفعلتم، فإنني سأرفض أي نظر في تحريم أو منع بعد ذلك، فهو يتوهم أن هذا موقفٌ رافض لهم، وهو في الحقيقة رفضٌ للنفس، وجرٌ لها نحو الهلاك: (من اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها) فأخطاء الآخرين ليست مسوغاً لأحد أن يُفرِّط في الحكم الشرعي الواجب عليه.
ثم هذا موقف نفسي وشعوري لا يقوم على تفكير عقلي ولا نظر مصلحي، فهو يتحرك بدافع كرهه لأقوام وغضبه من جماعات ونفوره من طوائف، والعاقل لا يقع ضحية لهذه المواقف النفسية ولا أسيراً لها، خصوصاً حين يتجاوز الموقف الفردي الخاص في مجلس معين مثلاً إلى أن يكون منهجاً مطرداً لا يبالي الشخص بأي نص ولا ينظر في أي مقولة ولا يسمع أي فتوى لأنه متشبع بهذا الانطباع السيء.
هذه الانطباعات ليست عذراً لأحد في ترك حكم شرعي لأنها من جنس الأهواء، والأهواء ليست عذراً في ترك الحق، بل هي موضع المجاهدة سعيًا في دفعها لمصادفة الحق، وأنت إذا تأملت في واقع عامة المنحرفين والواقعين في شباك الباطل وجدت عندهم انطباعات قبيحة عن أهل الحق، وبعض هذه الانطباعات قد تكون حقاً، لكن هذا لا يعفيهم عن وجوب اتباع الحق.
وهذا الإعراض بطبيعة الحال سيفرض التساهل في فعل المحرمات وترك الواجبات عند قطاع من الناس بسبب رفضهم لمن يرون أنه شدد عليهم، فيقابل ما يراه من تشدد بتساهل مقابل!
2-تقبل الأفكار الجديدة بلا تمييز:
ومن مشكلات هذا الانطباع القبيح دفع بعض الناس للتساهل في قبول أي فكرة ما دامت مخالفة للسائد، فالحنق في النفس يدفع بعض الناس لتقبل أي أفكار أو مقولات تصادم التيار السائد الذي ينفر منه، وقد يتساهل في تمييز ما فيها من باطل أو يدافع عن تجاوزاتها أو يعرض عن ذلك، وكل هذا لأنه رافض لصورة معينة، فأي صورة أخرى فهي أجمل في نظره، وهذا أيضاً من الهوى، والمسلم مسؤول عن نفسه مسؤولية كاملة، فالجِدة أو القِدم ليست معايير يُدرَك بها الحق أو الباطل، بل يجب محاكمة الجديد والقديم لمعايير المحاكمة الصحيحة، فقد يكون الجديد صوابًا أو خطأ، وقد يكون القديم كذلك. فاليقظة عند التعامل مع الجديد مطلوبة، ليصون الإنسان نفسه من الوقوع في إحدى آفتين: تقبل الجديد مع ضرره، أو رده مع منفعته.
3-تقبل أي اجتهاد جديد ينتسب إلى الفقه:

هذا الانطباع السلبي يساهم في التهاون مع أي اجتهاد فقهي، فتجد المتأثرين به يَقبلون بأي فتوى أو اجتهاد أو رأي لمجرد أنه مخالف للاجتهاد الذي ينفرون منه، وهو ما سهل مهمة العبث بأحكام الشريعة، فبإمكان أي شخص مهما ضعفت مؤهلاته وتفكيره أن يخرج في أي قناة ليقدم حزمة من الاجتهادات الجديدة، وسيجد لها تأييداً ودعماً، لمجرد أنه قد خالف السائد.
وهذا قصور كبير جداً في التفكير، فإذا كان هناك تقصير في الاجتهاد المطلوب، فالواجب هو تسديده باجتهاد أفضل منه، وإذا كان المشايخ قد تشددوا وخالفوا الحق فالواجب تقديم خطاب فقهي يصحح الخطأ ويقوم الصواب، لا أن يتهاون المسلم في قبول أي أمر باسم هذا الاجتهاد.
من ينتقد الاجتهاد المعاصر بأن فيه تشددا ًومخالفة للاجتهاد المعتبر فإن عليه مهمة أعظم في البحث عن الاجتهاد الأكمل، وهذا يتطلب مزيد بحث وعناية وتدقيق، لا أن يكون سبباً لقبول أي اجتهاد! وليس من العقل أن يقبل المرء على خيارٍ لا يدري هل هو صوابٌ أم خطأ لمجرد أنه مخالف لما أبغضه من خيار سائد!
4-الندم على فعل الطاعات:
ومن غريب التأثيرات السلبية لهذا الانطباع حمله بعض الناس على الندم على ما قدموا في سنوات عمرهم من أعمال صالحة، فتجده يتأسف على عمرٍ أضاعه ممتنعاً عن محرمات أو مكروهات، أو فاعلاً لواجبات أو مستحبات بسبب تأثره بهذا الخطاب المرفوض، فهب أنه كان ملتزمًا بمستحب ظنّه واجباً متابعةً لقول فقهي سائغ، ثم استبان له أنه ليس بواجب، هل في هذا ما يستدعي أن يكون المسلم نادمًا على أنه نشأ ملتزمًا بخيرٍ يقربه إلى الله تعالى؟! وهب أن المسلم قد ترك أمراً ليس واجباً في نفس الأمر، أو تنزه عن فعلٍ ليس محرماً في ذات الأمر، فهل في هذا ما يستدعي أن يعود بنيته على ما مضى من أعمال صالحة، وكأنه حزين على ما قدم من خير وما جمع من حسنات!
فحتى لو كان مخطئاً في ظنه أن ما كان ملتزماً به واجب من الواجبات، أو أنه تجنب ما ليس بمحرم، ففي النهاية قد فعل أمراً مشروعاً يريد به وجه الله تعالى، وترك ما ترك طاعة لله واتباعاً للشرع، فعلى ماذا هذا التأسف على الأعمار التي ذهبت في طاعة الله!
ولو كان الأمر متعلقًا ببدعة، أو قولٍ مصادم للنصوص لكان مثل هذا الفرح والندم متفهماً، مع طمع العبد أن يثيبه الله على حسن نيته، أما أن يفرح على ما آل إليه، ويندم على ما فات في مسائل اجتهادية سائغة فأمر لا معنى له، بل يخشى على صاحبه، فإن للقلب أعمالًا يحاسب الله عليها.
5-القصور في تقويم الواقع:
هذا الأثر النفسي يفقد بعض الناس القدرة على الحكم على الواقع بموضوعية، أو تقويمه بعدل، فهو يتحدث في قضايا تتطلب من العلم والاتزان والإنصاف والتدقيق ما لا يمكن أن يجتمع مع حالة الاحتقان والغيظ الذي يسكن بعض هذه النفوس التي تكرر مثل هذه المقولات، فوجود شيء تكرهه قد يؤثر سلبًا في حسن تعاطيك معه والحكم عليه، كما أن الحب قد يؤثر كذلك، ولذا جاءت الشريعة بالتأكيد على أهمية العدل في مثل هذه المقامات، قال تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى)، وقال سبحانه: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)، فالحالة النفسية من كراهة وحب هي خصم عنيف للعدل، ولهذا جاء التأكيد على هذا المعنى في هذه الآيات.
6-الموقف السلبي من التدين:
وبه نختم الآثار السلبية لهذا الانطباع، بالتأكيد على خطورة شحن الناس ضد علماء الشريعة، ودعاتها، ومن عرفهم الناس بالخير والصلاح، والمبالغة في تشويههم والحط عليهم، فهذا في الحقيقة من أمضى الأدوات لعزل الناس عن مغذيات التدين، وهو من أنجح أساليب أهل الباطل في إضعاف تدين الناس، إذ في إسقاط الآمرين بالمعروف إضعافٌ للمعروف الذي يحملون، وفي إسقاط الناهين عن المنكر تجرئةٌ على المنكر ينكرونه، وفي إسقاط العلماء والدعاة كافة تأثير على ما يحملون من علم وخير.
فبدلاً من النقاش الموضوعي حول أدلة أحكام الشريعة يتعمد بعض الناس أن يشوه الحامل ليضعف المحمول، وهذا ما يفسر الحرص والولع الشديد على هذا التشويه عند بعض الناس، ومحاولة إلصاق كافة المعايب والمهامز بهم، والذي له أثر نافذ في توهين التدين في النفوس.
والقصد هنا ليس تصويب الواقع كله، ولا إضفاء قداسة على أحد، أو منع أي نقد أو تقويم عادل، وإنما الوعي بمثل هذا المعنى الشرعي المهم الذي يحتم أمرين أساسيين:
الأمر الأول: ضرورة التدقيق في كثير مما يروى من قصص وأخبار تساهم في هذا التشويه، إذ كثير منها يخلق انطباعًا مشوهًا للواقع، يتضمن كثيراً من الأكاذيب والشائعات، ويشارك فيه أشخاص لا يتسمون بالنزاهة العلمية الكافية. إن الأمر شبيه باستديو فكري يحترف التصوير المضلّل أكثر من كونه خطابًا نزيهًا يختلف معك في التقييم لكنه أمين في نقل الواقع كما هو. ولذلك تجيء كثير من هذه الصور المشاعة في صورة كرتونية، تشعر وأنت تتأملها أنك أمام فبركةٍ غريبة تم معالجتها بتقنيات الفوتوشوب الخادعة.

وليس القصد دفع كل ما يتناقل من أخطاء وهفوات في هذا الموضوع، وادعاء أنه كذب محض، فالأخطاء موجودة فعلًا، وإنما القصد التنبيه إلى جسد عريض من الكذب والافتراء يبعث على التوجس وأخذ الحيطة عند ذكر أي مثال في هذا الشأن فلعله قطعة من هذا الجسد.
الأمر الثاني: ضرورة مراعاة حدود النقد والتقويم بأن تسير بعلم وعدل، ومراعاة توظيف بعض الناس لمثل هذا السياقات، لئلا يؤول الأمر إلى تشويهٍ يتسبب في إضعاف التدين في نفوس بعض الناس. فباب النقد ليس مغلقًا بل هو مفتوح مشروع، شريطة الالتزام بشروطه، ومراعاة أوجه الحكمة فيه.
إذن، هذه المقولة تشحن النفوس بحالة سلبية شديدة ضد الخطاب الديني، والعلماء، والفتاوى، والتدين، فيترتب على ذلك مخالفات شائعة في التساهل في فعل المحرمات، أو ترك الواجبات، أو الإعراض عن الأحكام الشرعية، وتقبل أي أفكار أو اجتهادات مخالفة للسائد الموجود، وكل ذلك من جنس الهوى الذي يجب أن يكون المسلم واعياً به، فالكره ليس دليلاً على حق، وليس مبرراً للتفريط في واجب، ولا لتضييع شيء من العدل.

 

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى