(٣٩) ما هو البديل؟


سؤال: ما هو البديل، هو أحد أشهر الأسئلة التي ترد عند الاحتساب على منكرٍ معين، فيأتي حينها المطالبة بإيجاد بديلٍ مناسبٍ يحل محل المنكر الذي يُنهى عنه، وهو سؤال مشروع وإيجابي في الجملة، لعدة أمور:
الأمر الأول: أن من الحكمة أن تفتح للناس طرائق الخير التي تغنيهم عن فعل الشر، فإذا أُغلق عليهم باب شرٍّ فافتح لهم من أبواب الخير ما يكون فيه غنية لهم عن البحث عن الشر.
الأمر الثاني: أن فيه مراعاة لطبائع بعض النفوس، وأنها إذا لم تجد بديلاً فإنها ستبقى متمسكة بما هي عليه، ولن تنتفع بما تسمع من نصح ووعظ.
الأمر الثالث: أن في إيجاد البدائل للمنكر ما يخفف من حدّة الإقبال عليه، وذلك أن للمنكر أسبابًا ووسائل تحفز عليه، فوجود البديل الموازي الذي يفي بالغرض تخفيف من أثر تلك الوسائل وصد لأسباب الحرام.
وأنت إذا تأملت في طبيعة النفس البشرية وحال عامة الناس، أدركت ما للبدائل المباحة من أثر إيجابي في محاصرة الشر والمنكرات، وهو أمر لاحظه الإمام ابن القيم ونبه إليه فقال: (فإن فطام النفوس عن مألوفاتها بالكلية من أشق الأمور عليها، فأعطيت بعض الشيء ليسهل عليها ترك الباقي، فإن النفس إذا أخذت بعض مرادها قنعت به، فإذا سئلت ترك الباقي كانت إجابتها إليه أقرب من إجابتها لو حرمت بالكلية) .
وهو معنى يؤكده هدي النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يشكل تقديم البدائل المشروعة جزءًا من الخطاب الدعوي النبوي، فإن من تدبر سيرته عليه الصلاة والسلام وجد ذلك واضحاً في منهجيته في التربية والتعليم، فإنه صلى الله عليه وسلم كان كثيرًا ما يبين البديل المشروع عند ذكر المحرم، لعلمه بما جبلت عليه النفوس من الضعف ومحبة العوض والبديل، ومن الشواهد المؤكدة لهذا المعنى:
-عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «من أين هذا؟»، قال بلال: كان عندنا تمر ردي، فبعت منه صاعين بصاع، لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «أوه أوه، عين الربا عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتره» .
-وعن أنس بن مالك، قال: كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: «كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد أبدلكم الله بهما خيرا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى» .
ومن مسالك النبي صل الله عليه وسلم في هذا الباب: التوجيه إلى القول أو الفعل المناسب بعد التحذير مما يضاده، ومن شواهده النبوية:
-(إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل) .
-(لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: العنب) .
-(لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان) .
-(لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات) .
-(لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، اسقي ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي، وغلامي) .
-(لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، وليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) .
-بل هو مسلك حاضر في القرآن الكريم أيضًا، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا).
وهذا ملمح دعوي وعاه الصحابة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، فصار هو الآخر جزءًا من خطابهم الدعوي أيضًا، فهذا ابن عباس رضي الله عنه يأتيه رجل فقال: يا أبا عباس، إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير، فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعته يقول: «من صور صورة، فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدا» فربا الرجل ربوة شديدة، واصفر وجهه، فقال له ابن عباس: ويحك، إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح .
ثم سرى هذا المنهج الدعوي إلى العلماء الربانيين، يقول ابن القيم رحمه الله: (مِنْ فِقهِ المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه، أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر الله وعامله بعلمه، فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم». وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم، ورأيت شيخنا قدس الله روحه يتحرى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرا فيها) .

فالتفكير في البديل المباح يشجع الآخرين على ترك المحرم، ويخفف من الإقبال عليه، فهو أمر ضروري، وهدف مهم يستحق الكثير من الجهد والتفكير والبذل والاجتهاد بحسب القدرة والطاقة. وهو من تمام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن إيجاد البدائل هو صيانة من تمدد المنكرات، فوجود معاملات مصرفية توفر للناس التمويل المباح الذي يغطي حاجاتهم هو من أعظم ما يضيق وقوع الناس في منكر الربا، ووجود مجالات ترفيه مباحة توفر لهم بيئة مباحة للنزهة واللعب والمتعة هو من أعظم ما يحول بين الناس وبين الوقوع في المنكرات بسببه، ووجود قنوات وبرامج إعلامية تغطي حاجة الناس من برامج الفائدة والمتعة والرياضة وغيرها هو مضيق للبرامج الهابطة، وهكذا في بقية المجالات.
ولعل الساعين في هذا الباب بتقديم البدائل المشروعة أو المباحة يدخلون فيمن مدحهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه) .
فالبحث عن البديل المناسب هو من أعظم ما يجب العناية به لتوسيع الخير وتضييق الشر في عصرنا، والتفريط فيه خطأ كبير لا يعوضه أي شيء آخر، وهو ناشئ عن قصور في الوعي بواقع الناس وأثر هذه البدائل في نشر الخير وكشف الشر، وقصور في فهم دلالة الشرع ومقصده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه لا يقتصر على طريقة أو مجالات معينة. ومن استقرأ واقع الشريعة وجدها تورد للناس بدائل عن الحرام، يقول ابن القيم مبينًا هذه الحقيقة الشرعية العظيمة: (فما حرم الله على عباده شيئا إلا عوضهم خيرًا منه، كما حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم منه دعاء الاستخارة، وحرم عليهم الربا، وعوضهم منه التجارة الرابحة، وحرم عليهم القمار، وأعاضهم منه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام، وحرم عليهم الحرير، وأعاضهم منه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن، وحرم عليهم الزنا واللواط، وأعاضهم منهما بالنكاح والتسري بصنوف النساء الحسان، وحرم عليهم شرب المسكر، وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن، وحرم عليهم سماع آلات اللهو من المعازف والمثاني، وأعاضهم عنها بسماع القرآن والسبع المثاني، وحرم عليهم الخبائث من المطعومات، وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات) .
إذن، فليس في هذه المقولة إلى هنا أي إشكال، ولا تتضمن من حيث هي أي أمر يؤدي إلى انحراف، خصوصًا إن تُلقّي الأمر باعتدال، واستحضر أن توسعة الشريعة في كثير من مواردها لإيجاد البدائل المباحة، لا ينفي أن ثم مساحة من المحرمات قد لا يكون لها بدائل مباشرة أو مساوية لها، فقد يكون من حكمة الشريعة الابتلاء بالتحريم طلبًا لمرضاة الله تعالى وإثابته الأخروية، مع تيقن أن الخير والمصلحة كلها في اجتناب ما حرمه الله، كما قد تجيء الفتوى من النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم شيء دون ذكر لأي بديل.
فمع ما سبق تقريره من الاحتفاء بتطلب البدائل والتأكيد على أنه من مسالك الشريعة الأصيلة، لكن ينبغي أن يتنبه إلى وجود تلك المساحات التي لا بديل فيها.
فالإشكال يأتي من عدم مراعاة هذه المساحات، والمطالبة بإيجاد بديل في منطقة لا بديل فيها، وهنا تتجاوز المقولة دورها بالبحث الحقيقي الجاد عن البديل المباح الذي يصون أديان الناس عن المحرمات، لتعمل في مجالات أخرى ليس هذا الغرض من بينها، ومن تلك المجالات:
1-تسويغ الفعل المحرم بسبب عدم وجود البديل: فإذا رأى مخالفة ظاهرة تعلل لها بأنه لا وجود لبديل، أو ماذا يمكن فعله غير هذا؟ وهذا ليس عذراً مقبولاً في الشريعة، فعدم وجود البديل ليس بعذرٍ في ارتكاب أي شيء مما نهى الله عنه، والبدائل هي معينة للكف عن المحرمات، لكن غيابها أو غياب العلم بها ليس عذراً لأحد في ارتكاب المحرم.
2-التهوين من الأمر والنهي المباشر: فإذا رأى من ينهى عن منكرات معينة استخف به وبطريقته نظراً لأنه لم يقدم بدائل، وهذا غلط كبير، فواجب البحث عن البدائل لا يعني التزهيد في واجب الأمر والنهي المباشر، فكلها واجبات شرعية مكملة، ولا يلزم كل من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر أن يوفر البدائل للناس، فإذا نصح فقد أدى ما عليه وهو محمود بفعله، ولا معنى لإثارة سؤال البدائل في وجهه بهذه الطريقة إلا التزهيد في أمرٍ حسن قام به.
خصوصاً أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يملك بالضرورة القدرة على صناعة البدائل، فهو محكوم باستطاعته وقدرته، ولا يستطيع أن يتجاوز حدود معرفته وعلمه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعهاً، فإذا نصح بحسب طاقته فأنكر أمراً محرماً فلا يصح أن يعترض عليه بالمطالبة بتقديم بدائل لا يمكنه أن ينتجها أو يدل عليها، وهو ما يكشف وجه الخلل في مطالبة البعض كل محتسب أن يقدم بدائلَ شرعيةٍ في جميع الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية، وكل هذا من قبيل المناكفة التي لا علاقة لها بالمطالبة المشروعة.

3-المطالبة بالبديل المساوي: فالبديل هو بديل مباح، وليس بالضرورة أن يكون مساوياً للأصل الذي تريد أن يتركه الناس من كل وجه، فلا يلزم أن البديل ممتعاً بنفس درجة الإمتاع التي يخلفها الأمر المحرم، لأن الواجب هو ترك هذا المحرم طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والبدائل هي معينة وميسرة لهم، لكن ليس بالضرورة أن تكون كالمحرم، بل ثم من المحرمات ما لا يمكن إقامة بدائل مساوية لها، فمن يستمتع بمشاهد المشاهد المحرمة في القنوات لا يمكن أن تأتي له ببديل في قناة تلتزم بحدود الشريعة فتعرض عليه ما يسد حاجته، والطرب الذي يجده من يستمع إلى الموسيقى قد لا يجده في ألوانٍ من السماع المباح، واللذة التي يجدها الشخص من الزنا ليس مساويًا من كل وجه للبديل الذي أقامه الله تعالى من النكاح المشروع، ففي الثاني من الالتزامات المتعددة ما ليس في الأول، فليس الثاني مشابهًا للأول من كل وجه، وإن كان متضمنًا للبديل الشرعي.
وهذا يؤكد أن تفهم حقيقة البدائل وتوضع في وضعها الطبيعي، ولا يبالغ في شأنها مبالغةً تضر بمبدأ التسليم والانقياد للشرع، إذ المسلم مطالب بأن يستحضر أن الخير والبركة هو فيما شرعه الله، وأن ما حرمه الله عليه فإنما هو لدفع مفسدة راجحة عنه، فيهون عليه ترك هذا المحرم، ويجد في البديل الذي هو أقل منه ما يغنيه، ولو عدم فليس خضوعه للشرع بمرتهن لوجوده.
4-التهاون في البدائل: فيقع بعض الناس في غلوٍ في أهمية وجود البدائل إلى درجة القبول بأي بديل، وعدم التدقيق في تفاصيل الحلال والحرام المتعلقة به، فيوسع من دائرة الترخص هنا ويتخفف من كافة الشروط والضوابط بحثاً عن أي بديل، وحين لا يجد إلا بديلاً معيناً يقبله على كل حال، متساهلًا في بعض ضوابطه طمعاً في حصول انتشار أكبر له، وهذا في الحقيقة تجاوز لوظيفة البديل، إذ المقصد المشروع هو البحث عن بديل شرعي مباح، وليس التفتيش عن أي بديل كان. فالبحث عن معاملات مصرفية مباحة لا يسوغ التهاون في ضوابط الشريعة في المعاملات بدعوى أن هذا خير من الربا؟ بل يجب أن يكون البحث عن البدائل المباحة، وهي التي قامت من أجلها جهود علمية كبيرة في عصرنا سعيًا لضبط ما يمكن تقديمه من البدائل. ويقال في مجالات الإعلام والترفيه والفن ما قيل هنا، فإن طلب البدائل مشروع لكنه لا يعني الترخص أو التخفف من ضوابط الشريعة فيها.
ومن طريف ما ذكره ابن تيمية في تسمح بعضهم في إقامة البدائل المحرمة: (ولقد حدثني بعض المشايخ أن بعض ملوك فارس قال لشيخ رآه قد جمع الناس على مثل هذا الاجتماع -يقصد مجالس السماع المحرم-: يا شيخ إن كان هذا هو طريق الجنة فأين طريق النار) .
وبشكل عامٍ يجب على المسلم أن يستحضر أن تركه للحرام هو لله تعالى، لا أنه أمر مرتهن بوجود البديل، فيتركه إذا وجد البديل، أما إذا عدم فلا يتزحزح عنه، فإن هذه إحدى مشكلات المبالغة في تعويد النفس على تطلب البدائل، وهي مشكلة مشابهة لمشكلة بعض النفوس في مغالاتها في تطلب معرفة حكمة الله تعالى من كل تشريع، بما يشكل مانعًا من قبول بعض التشريعات إذا لم يظهر له وجه الحكمة فيها، فكذلك حال بعض النفوس في البدائل.
وليستيقن العبد أنه متى صدق في تركه محرمًا طاعةً لله تعالى فهو موعودٌ بأن يؤتيه الله خيرًا مما ترك: (إنك لن تدع شيئاً اتقاء الله عز وجل إلا أعطاك الله خيراً منه)( ) ، وجاء عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: (ما ترك عبد شيئاً لا يتركه إلا لله إلا آتاه الله بما هو خير منه من حيث لا يحتسب، ولا تهاون عبدٌ أو أخذه من حيث لا يصلح له إلا آتاه الله بما هو أشد منه من حيث لا يحتسب) .
بقي التنبيه على مسألة مهمة وهي ضرورة تطلب البديل ممن يمكنه تقديمه، وعدم مطالبة كل ناقد أو محتسب بضرورة تقديمه، فقد يستبين للشخص خطأ ممارسة معينة، أو عدم جدوى منتج ما، فإذا سئل عن البديل، فقد لا يستحضره، أو يكون عاجزًا عن تقديمه، فلا يصح أن يشكل هذا ذريعة لرفض نصيحته وتخطئته، بل الواجب النظر في نقده من حيث هو، فإن كان حقًا قبل، ثم ينظر في المسألة الأخرى وهي طلب البديل المشروع.
ولذا فمن النقد غير الموضوعي لوم العلماء والدعاء حين ينكرون بعض الأخطاء في الواقع بأنهم ينشغلون بالنقد عن تقديم البدائل والحلول، وقد لا تكون فضاءات هذه الحلول داخلة في اختصاصاتهم أصلًا، فليس واجباً على كل ناصح أن يقوم بتقديم كافة الحلول في مختلف المجالات العلمية في الطب والهندسة والعلوم بداهةً، ولا في المجالات الإنسانية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها أيضًا، وهو ما يستدعي ضرورة استحضار الفرق بين الفقيه والخبير، ومجالات عمل كل منهما.
فدور عالم الشريعة النظر في النصوص وتطلب معانيها وإدراك ما فيها من أحكام، ثم تنزيل تلك الأحكام على الواقع، وقد يحتاج لتمام العلم بطبيعة الواقع أن يستعين بالخبير الذي يكشف له تفاصيل الواقع ليدرك بعد ذلك مدى ملائمة الحكم له أو عدم ملاءمته، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

فلا يطالب الفقيه بوضع الحلول لجميع مشكلات الواقع، فإنه غير مستطاع له، بل إن هذه المطالبة تحمل في طياتها قدرًا عاليًا من الاستهانة بالمعارف والعلوم، وعدم إدراكٍ لحجم التعقيدات المتعلقة بها، فمطالبة الفقيه بالتحرك في فضاءات علمية لا يحسنها هي دعوةٌ صريحة له أن يسطوا على تخصصات غيره، ويتسور عليها، فإن فعل وأقدم فما أحسن بإقدامه إذ تكلم بغير علمٍ، ثم إن ما سينتجه سيكون مظنة الخطأ والوهم بطبيعة الحال.
فافتراض مسؤولية الفقهاء أو الدعاة أو المحتسبين عن إنتاج البدائل في جميع المجالات خطأ، وهو تصور شمولي يغفل عن اتساع دائرة التخصصات وتنوع المعارف، وما يستدعيه توفير البدائل من تواصل معرفي بين الفقهاء والخبراء.
كما يغفل أيضًا عن أن إنتاج البدائل فعليًا لا يقوم على مجرد التفكير النظري عند الحديث عنها، فالأمر في كثير من الأحيان لا يعتمد على مجرد تقرير معرفي، وإنما يحتاج إلى سلطة أو ملاءة مالية أو غير ذلك مما لا يملكه الفقيه أو الخبير، فحاجة الناس إلى إعلام هادف مثلًا كبديل عن الإعلام الهابط لا يقوم إلا عبر مؤسسات تقيم هذا المشروع، وهو ما يتطلب أمورًا كثيرة جدًا تخرج عن حدود تقديم الرأي المجرد، والناس يحتاجون أيضًا إلى بنوك إسلامية في مقابل البنوك الربوية، وهي الأخرى لا تتمثل في الواقع بمجرد التنبيه إلى أهميتها، أو تصوير كيفيه إقامتها، فالتقصير في هذه البدائل لا يعود إلى تقصير الفقيه أو الخبير وإنما يرجع إلى غيرهم.
والخلاصة: أنه مع الاعتراف بأهمية توفير البدائل الشرعية للتخفيف من جاذبية كثير من المنكرات، وأن له أثرًا حقيقيًا ملموسًا في ذلك، لكن المسلم لا يجعل من توفرها ميزان التزامه بأوامر الشريعة، فإذا توفرت وقع منه الالتزام، وإن لم تتوفر مضى في ممارسة الحرام، وليتذكر دومًا أنه عبد لله، وأنه في دار ابتلاء واختبار، وأن الله كريم، وأن من كرمه سبحانه أن من ترك شيئًا له عوضه خيرًا منه.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى