(٤) كيف نقبل الحديث وقد تأخر التدوين؟


يبدي البعض تشككًا في حفظ السنة النبوية بذريعة أنها لم تدون إلا متأخرًا بعد زمنه صلى الله عليه وسلم بقرون، وقد يُعظّم بعضهم من هذه الشبهة باستحضار نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة سنته، ليؤكد تأخر تدوينها عن زمنه صلى الله عليه وسلم، وهو ما يفتح الباب واسعًا -بحسب دعواه- للكذبة عليه صلى الله عليه وسلم أن يدخلوا في سنته ما شاؤوا، وحين جاءت لحظة التدوين كانت كثير من تلك الأحاديث المختلقة قد دخلت على النقلة، بلا فحص أو تمحيص.
والحق أن هذا التصور يحمل ركامًا من المغالطات العلمية، خصوصًا في تصور تاريخ تدوين السنة النبوية، ومعرفة حال علوم الحديث والرجال، إذ يتوهم كثير من الناس أن تدوين السنة إنما ابتدأ مع البخاري مثلًا، وقد يرتفع بعضهم فيزعم أنه ابتدأ قبله مع مالك في موطئه، وهذه مشكلة عميقة تكشف عن حجم سطحية النقد الذي يحمل كثيرًا من الناس للتشكك في حقيقة حفظ السنة النبوية.
وقبل الخوض تفصيلًا في بعض جوانب هذا الموضوع، يجب الانطلاق من تقرير عقدي يصطحب الإيمان بأن ما تحتاج إليه الأمة من سنته صلى الله عليه وسلم محفوظ، إذ ما تحتاجه الأمة في إقامة دينها يجب أن يكون محفوظًا، وهو ما تفضل الله على هذه الأمة به، ومن أدلته القرآنية قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) فالذكر هنا أشمل من أن يكون مختصًا بالقرآن وحده، بل يشتمل على كل ما أنزله الله تعالى على عبده من الذكر.
ولو سلمنا أن الآية لا تشتمل على السنة، وأن الذكر فيها مختص بالقرآن فيكون الحفظ منصرفًا إليه، فهذا لا ينفي حفظ السنة هنا، إذ السنة مبينة للقرآن، ومن كرم الله ولطفه بعباده أن حفظ لهم ما به بيان القرآن، فما يُحتاج إليه في فهم القرآن من لغةٍ وحديثٍ محفوظ، لأن المقصود بحفظ القرآن قيام الحجة، ولا تقوم الحجة على من بلغه القرآن وهو غير متمكن من فهمه ومعرفة معانيه، وهذه المعرفة لن تكمل من دون معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالتكفل بحفظ القرآن يتضمن حفظ ما يبين القرآن وهو السنة.
فإذا كان الله قد أمرنا بإقامة الصلاة وأداء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت مثلًا، وجاءت مجملة في القرآن، وتفصيلها إنما وردنا عن طريق السنة، فلازم حفظ القرآن أن تحفظ تفصيلات السنة مما يتصل بها، وهو أمر بيّن واضح يغني عن الاستطراد في شرحه وتفصيله.
وسينكشف تفصيلًا بإذن الله ما يسره الله تعالى من أسباب حفظ السنة على يد علماء الحديث، الذين قاموا بتوفيق الله لهم بأداء واجب رواية الحديث وضبطها، وصيانتها، وحفظها، بل تجاوز الأمر إلى ضبط الكذب والخطأ في الرواية، سعيًا لمزيد من التحوط لصحيح حديثه صلى الله عليه وسلم، ومن تأمل في تاريخ النقل عند الأمم والشعوب فلن يجد جهدًا يقارب أو يداني الجهد الموجود في هذه الأمة في حفظ سنة نبيها صلى الله عليه وسلم، فمفخرة العلوم الإسلامية هي علوم الرواية والنقل، وهو ما يمكن أن يدركه من عايش هذه العلوم وخبرها، فالأمر يرجع إلى ذوق متحصل من المعرفة والعلم، فمن لم يقف على هذه المعارف والعلوم سيكون عاجزًا عن تمام إدراك هذه المعاني فضلًا عن تذوق لذتها، وهو ما سنحاول أن نشير لطرف منه إن شاء الله.
ولكن قبل بيان شيء من هذا التفاصيل يحسن استعراض ما يتعلق بشبهة نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة حديثه، حيث صح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمْحه، وحدثوا عني، ولا حرج»( ) وهي شبهة يُتعلق بها لتقرير أمرين:
الأول: أن السنة ليست بحجة، إذ لو كانت كذلك لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابتها، بل لأمر بذلك. وليس لنا غرض في رد هذه الشبهة فقد سبق بحث ما يتعلق بحجية السنة، لكن من الطريف أن يستدل المرء بدليل ليلغي حجيته، فهو يقول الدليل على أن السنة ليست بحجة هي السنة نفسها، فهل السنة المستدل بها أولًا حجة أم ليست بحجة؟!
الثاني: أن السنة غير محفوظة إذ إن كتابتها تأخرت كثيرًا عن زمانه، بعد أن دخل في السنة ما دخل من الكذب.
والذي يحل هذه الشبهة هو في تجنب القراءة الانتقائية للسنة، وجمع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث تفيد الترخيص بل والأمر بكتابة سنته، ومن تلك الأحاديث مثلًا: أن رجلًا من أهل اليمن يقال له: أبو شاه، قام في أثناء خطبةٍ للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه»( ) .

وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريشٌ، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: (اكتب فوالذي نفسى بيده ما يخرج منه إلا حق)( ).
فهذه أحاديث صحيحة صريحة تكشف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة حديثه، فكيف يجمع بينها وما جاء من النهي عن الكتابة؟
اختلف أهل العلم في ذلك على اتجاهات أهمها:
1- الترجيح: حيث رجح طائفة من أهل العلم أحاديث الترخيص بالكتابة لكثرتها وشهرتها وقوتها مقارنة بأحاديث النهي عن الكتابة.
2-القول النسخ: حيث حكم بعض أهل العلم على أحاديث النهي عن الكتابة بأنها منسوخة بأحاديث الأمر بها، وإنما كان النهي في أول الأمر خشية من اختلاط السنة بالقرآن، فلما زال المحذور وانضبط نص القرآن رخص في كتابة السنة.
3-أن النهي يتناول مواضع غير مواضع الرخصة: كقول بعض أهل العلم: إن النهي عن كتابة السنة والقرآن في صحيفة واحدة خشية من اختلاطهما، أو أن النهي عن كتابة السنة هو خاص في وقت نزول القرآن خشية من التباسه بالقرآن، أو أن النهي هو في حَقّ من يُوثق بحفظه، وَيُخَاف اتِّكَاله على الكتابة إذا كتب، وقيل غير ذلك.
والذي يهمنا إدراك أنه قد استقر الإجماع على مشروعية كتابة السنة من غير خلاف بين أهل العلم، يقول الإمام المحدث الكبير أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله: (ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته)( ).
ومن الطريف جدًا أن يستند من لا يؤمن بحفظ السنة بحديثٍ ليدلل من خلاله على عدم حفظها، فهل مثل هذا الحديث محفوظ أم لا؟! فإنه قد جاء من ذات الطرق التي يشك في قدرتها على حفظ الحديث، أم أنه قد تحصل عليها من طريق كشفٍ أو إلهام أو منام!
نفضي الآن إلى معالجة شبهة تأخر تدوين السنة النبوية كذريعة للتشكيك في حفظها بما يؤثر سلبًا بطبيعة الحال في مسألة الاحتجاج بها.
وحقيقة هذه الشبهة مبني على تصور ساذج متعجل لوجود انقطاع ممتد إلى قرنين من الزمان، من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وحتى ظهور مدونات السنة الشهيرة كالبخاري ومسلم والسنن وغيرها، وأنه في زمن هذا الانقطاع تراكمت المرويات الشفهية الباطلة والتي وجدت طريقها إلى تلك المدونات الشهيرة.
والذي ينقض هذه الدعوى هو حسن التصور لأمرين مهمين:
الأمر الأول: طبيعة نقل سنته صلى الله عليه وسلم من زمانه وحتى ظهور كتب السنة المعتمدة عند الأمة، حيث توافر لسنته طريقين من الحفظ: حفظ الصدور، وحفظ السطور.
الأمر الثاني: طرائق أهل العلم في التوثق من سنته صلى الله عليه وسلم، ومعرفة قواعد التحمل والأداء، وما عاناه أهل العلم من ضبط قواعد علوم الحديث والرجال.
وتحقيق هذين الأمرين يكمن في استعراض تاريخي لواقع نقل سنته صلى الله عليه وسلم في حياة الأمة، وهو أمر يصعب استعراضه مفصلًا هنا، ولكن سنقوم بتقسيم ذلك إلى حقب متوالية، ونضمن كل حقبة إشارات مختصرة جدًا تكشف عن المطلوب( ):
– واقع حفظ السنة في زمنه صلى الله عليه وسلم:
تتجلى مظاهر العناية بالسنة النبوية في زمانه صلى الله عليه وسلم في أمور متعددة، ومن ذلك:
– طبيعة كلامه صلى الله عليه وسلم من جهة انتقاء ألفاظه، وطريقة أدائه، فقد صح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه( )، وقالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام يبينه، فصل، يحفظه من جلس إليه)( )، وجاء عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه)( ).
فإذا انضاف إلى ذلك ما علم من فصاحته صلى الله عليه وسلم وبلاغته كان في ذلك سببًا مضاعفًا لحفظ كلامه، كيف وهو مع بلاغته يتجنب في كلامه وحشي كلام العرب وبعيده، بل ويذم من يستعمله، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل البقرة بلسانها)( ) .
– تشجيعه صلى الله عليه وسلم ودعوته لنقل أحاديثه، والدعاء لمن فعل ذلك بنضرة الوجه( )، وحين وفد عليه بنو عبد القيس حدثهم بكلام ثم أمرهم بحفظه وإخبار من وراءهم به( ).
– إظهاره الحفاوة بمن كان معتنيًا بحديثه من صحابته، كما جرى لأبي هريرة رضي الله عنه حين سأله عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولَ منك، لما رأيت من حرصك على الحديث»( ). فقد كان يلاحظ أحوال صحابته، ومن كان حريصًا منهم على ضبط حديثه، وحفظه.

– دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لبعض صحابته بالحفظ المتقن، ومما اشتهر في هذا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة، فكان من بركة دعائه صلى الله عليه وسلم أن رُزق حافظة عجيبة، فلم يستودعها شيئاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسيه.
– عنايته صلى الله عليه وسلم بكتابة سنته، ومما يشهد له ما جاء في شأن أبي شاه، وأمره لعبدالله بن عمرو بالكتابة بعدما امتنع عن ذلك، وغير ذلك.
– تحوط النبي صلى الله عليه وسلم لسنته وصيانتها من الدخيل، وتحذيره من الكذب عليه كما جاء في أشهر خبر متواتر عنه صلى الله عليه وسلم: «إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»( ).
وتواتر هذا الخبر يكشف عن شدة انتشار هذا الخبر في زمنه صلى الله عليه وسلم وبعد زمانه، وهو ما حمل كثيرًا من الصحابة على عظيم التحوط في الرواية عنه صلى الله عليه وسلم خشيةً من الوقوع في الخطأ في الرواية فينالهم شيء من هذا الوعيد.
– ارتباط سنته صلى الله عليه وسلم بشأن التشريع، فهي مستودع للأحكام الشرعية، وأمر التدين مرتبط ارتباطًا عضويًا بها، وهو ما يعد من أكبر المحفزات لحفظها وضبطها وفرز ما يصح منها وما لا يصح، إذ في حفظها حفظ الدين.
– تعدد زواجاته صلى الله عليه وسلم، وهو ما يجعل حياة النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة في بيته مكشوفةً لعدد كبير من النساء، وهو معنى يتضمنه قوله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا)، وواقع روايات أمهات المؤمنين لشأن النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا.
– استقرار أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مدة لا بأس بها من دعوته، وتكاثر الأصحاب حوله، وظهور أمره في آخر حياته على جزيرة العرب، كله سيسهم إيجاباً في معرفة كثير من أحواله وأقواله وأفعاله، فشتان بين نقل أحوال رجل مطارد، يتنقل سرًّا هنا وهناك، وبين رجل أمره ظاهر، ودعوته مستقرة، وحوله آلافٌ من الرجال، وهو ما تحقق له صلى الله عليه وسلم.
– واقع حفظ السنة في زمن الصحابة:
تتجلى مظاهر العناية بسنة النبي صلى الله عليه وسلم زمن الصحابة في جملة من الأمور، ومن ذلك:
– معرفة ما كان عليه الصحابة من شديد المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وشأن المحب أن يعتني بأحوال محبوبه، وهو ما تجلى في كم المروي من دقائق أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، حتى صارت شخصيته صلى الله عليه وسلم بجميع تفاصيلها موضعًا للرواية والنقل، فنقلوا حتى سكتاته صلى الله عليه وسلم، بل وفصلوا في وصفها فقالوا: فسكت هنية( )، وكانوا يلحظون اضطراب لحيته صلى الله عليه وسلم بالقراءة( )، وأحصوا ما في لحيته صلى الله عليه وسلم من الشيب( )، بل تأمل رصدهم لدقيق شأنه صلى الله عليه وسلم في حجه مثلًا حتى نقل أحد الرواة عنه أنه بال ثم توضأ وضوءا خفيفا( ) ، فتأمل كيف نقل شأن بوله صلى الله عليه وسلم مع عدم اتصال حكم ظاهر به، ثم وصفه لطبيعة وضوئه صلى الله عليه وسلم حينئذ.
وهكذا نقلت لنا صورة شديدة التفصيل عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى صارت سنته وسيرته محطّة مطولةً من محطات التاريخ على نحو لم يقربه فيها رجل آخر.
– عظم ديانة الصحابة رضي الله عنهم، وشدة حرصهم على الخير، سيشكل باعثًا من أعظم البواعث على الحرص على تتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وحفظها، لارتباط مصالحهم الدنيوية ونجاتهم الأخروية بها.
– استعمال الصحابة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في دعوتهم واحتسابهم، وحرصهم على إشاعته بين الناس، وتشددهم مع من يبدي أدنى معارضة لحديثه صلى الله عليه وسلم صيانة لها، وإنكارًا للمنكر، فمن ذلك ما جاء عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها). قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبدالله فسبه سباً سيئاً، ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول والله لنمنعهن( ).
وعن أبي قتادة قال: كنا عند عمران بن حصين في رهطٍ منا وفينا بشير بن كعب، فحدثنا عمران يومئذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الحياء خيرٌ كله). أو قال: (الحياء كله خيرٌ). فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينةً ووقاراً لله، ومنه ضعفٌ. قال: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه! قال: فأعاد عمران الحديث، قال: فأعاد بشيرٌ، فغضب عمران، قال: فما زلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيدٍ إنه لا بأس به( ).
وعن سعيد بن جبير أن قريباً لعبد الله بن مغفلٍ خذف، فنهاه وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال: (إنها لا تصيد صيدًا، ولا تنكأ عدواً، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين). قال: فعاد. فقال: أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ثم تخذف، لا أكلمك أبدًا( ).

– سعي الصحابة لتحصيل ما فاتهم من حديثه صلى الله عليه وسلم، خصوصًا ما جرى من صغار الصحابة كابن عباس رضي الله عنه مثلًا، فإنه كان من المكثرين من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة كان شيئًا قليلًا إذ توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، ومع ذلك فقد حرص على تتبع الروايات عن الصحابة حتى صار من أكثر الصحابة رواية للحديث.
– تناوبهم في الجلوس عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم طلبًا لحديثه، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك)( ) .
– ضبط الصحابة الدقيق لما أخذوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن محمد بن علي بن الحسين، قال: حدث عبيدُ بن عمير عبدَ الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مثل المنافق مثل الشاة بين الربضين أو بين الغنمين»، فقال: ابن عمر لا، إنما قال: كذا وكذا، قال: وكان ابن عمر إذا سمع النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه، ولم ينقص منه، ولم يجاوزه، ولم يقصر عنه( ) .
وكانوا يؤكدون ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا ليطمئنوا السامع إلى ضبطهم لما سمعوه، فيقول جابر بن عبدالله: بَصَرُ عينيَّ، وسمع أذنيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا أبو برزة رضي الله عنه يقول: أحَدِّثك بما سَمِعَت أذناي، ورأت عيناي .
وقال أبو اليسر رضي الله عنه: فأشهد بصر عيني هاتين -ووضع إصبعيه على عينيه- وسمع أذني هاتين، ووعاه قلبي هذا -وأشار إلى مناط قلبه- رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: وساق حديثًا.
وحين سُئِلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنت سمعتَه من محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: إيْ ورب الكعبة، إيْ ورب الكعبة ، وقيل له: يا أمير المؤمنين، آللهِ الذي لا إله إلا هو، لَسَمِعتَ هذا الحديثَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إي، والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثًا، وهو يحلف له .
وكذا قيل لأبي أمامة: أبرأيك قلتَ: هؤلاء كلاب النار، أو شيء سمعتَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لجريءٌ! بل سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرَ مرة ولا اثنتين ولا ثلاثًا، قال: فعَدَّ مرارًا .
وقال عمرو بن ميمون، قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه، قال: فما سمعته يقول لشيءٍ قط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم، محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك، أو شبيها بذلك( ).
وكان أنس رضي الله عنه إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( ) .
– الحرص على ضبط حديثه صلى الله عليه وسلم كتابة، ولذا فإن مشروع كتابة السنة ابتدأ في الحقيقة على أيديهم، وممن اشتهر بالعناية بذلك عبدالله بن عمرو رضي الله عنه حتى توهم أبو هريرة أنه أكثر حديثًا منه( ) ، وهو خبر يكشف عن روح المنافسة بين الصحابة في حفظ سنته صلى الله عليه وسلم.
وقد كان لعبدالله بن عمرو صندوق ذو حلق يجمع فيها ما كتبه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم( ) كما كان له صحيفة يعتز بها يلقبها بالصادقة( ) .
– يؤكد شأن كتابة الصحابة لحديثه صلى الله عليه وسلم ما كان يجري بينهم من كُتب ومراسلات تتضمن ذكر بعض حديثه صلى الله عليه وسلم، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يكتب كتابًا فيه مقادير الزكاة، وتفاصيل أحكامها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
وكتب عمر إلى أميره بأذربيجان وذكر له حديثًا( ) ، وكتب جابر بن سمرة رضي الله عنه إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص حديثاً( )، وكتب عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه لعمر بن عبيد الله ( ).
بل كان بعضهم يرسل إلى بعض في طلب الحديث، فهذا معاوية يرسل لعائشة يطلبها شيئًا سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، فترسل له بحديث: (إنه من يعمل بغير طاعة الله يعود حامده من الناس ذامًا)( ) .
-بل كانوا رضي الله عنهم ينشؤون الأسفار في تتبع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أن بعضهم قد يُحدث سفرة في طلب حديثٍ واحد، كما جرى من جابر بن عبدالله رضي الله عنه وسفره لعبدالله بن أنيس إلى الشام في طلب حديث واحد ( ). وسفره أيضًا لمسلمة بن مخلد بمصر ليسأله عن حديث واحد ويرجع . وقد وقع ذات الأمر من أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه حيث سافر لعقبة بن عامر بمصر فلما لقيه قال: حدثنا ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستر المسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك، فلما حدثه ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائدا إلى المدينة وما حل رحله . فمبادئ الرحلة في طلب الحديث ابتدأ من جيل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
– تحوط الصحابة في شأن الرواية وتثبتهم من صحة الروايات، وهو ما يكشف أن أصول التثبت من صحة الرواية وجدت في زمن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وانتقلت لمن بعدهم، كما جرى من عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث الاستئذان، وكقول علي رضي الله عنه، قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر رضي الله عنه حدثني، وصدق أبو بكر، ثم ذكر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم( ) .
– حرص الصحابة على أداء أمانة الرواية لمن بعدهم، فهذا أحدهم يأتي بماءٍ في إناء؛ ليعلم التابعين وضوء النبي صلى الله عليه وسلم( ). والآخر يصلي أمامهم، مريدًا تعليمَهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
وكان بعضهم يبلِّغ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في مقام عام على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فعل عمر رضي الله عنه حين روى حديث: (إنما الأعمال بالنيات)( ) .
واقع حفظ السنة في زمن التابعين:
حرص التابعين على ملازمة الصحابة وجمع أحاديثهم وكتابتها، ومن ذلك أن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب كان يقول: كنت أنطلق أنا، ومحمد بن علي أبو جعفر، ومحمد بن الحنفية إلى جابر بن عبد الله الأنصاري فنسأله عن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صلاته فنكتب عنه ونتعلم منه( ).
وهذا أحد سادة التابعين علمًا وفقهًا وعبادة عروة بن الزبير يقول: (لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج وأنا أقول، لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته)( ).
فهذا يكشف عن شدة عناية هذه الطبقة في الاستفادة من الطبقة السابقة، وهي استفادة تكشف عن حيوية الإسناد في هذه الأمة، وعدم وقوع انقطاع فيه.
– وقد حرص التابعون على توثيق السنة كتابة وهو أمر يمكن استكشافه بنماذجه وصوره تفصيلًا في رسالة الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الشهيرة: (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه)، والتي نال بها درجة الدكتوراة من جامعة كامبريدج بامتياز، فقد تتبع فيها أسماء الذين كتبوا الحديث من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وقام بجهد كبير في هذا التتبع، ووصل إلى نتائج مذهلة: ففي طبقة القرن الأول من التابعين رصد ثلاثةً وخمسين ممن كتبوا الحديث، أو كتب عنهم، وفي طبقة تابعي القرن الثاني تتبع تسعةً وتسعين تابعيًا ممن كتبوا، أو كتب عنهم، وهذا يدل على انتشار كتابة الحديث في زمن التابعين، على خلاف ما يدعيه المنكرون، وقد تولى الخليفة التابعي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الاهتمام بقضية تدوين السنة وشجع أهل العلم على القيام بأدوارهم في هذا( ).
– ومن أهم ما يكشف عن عناية التابعين على ضبط سنة النبي صلى الله عليه وسلم ظهور العناية الكبيرة بشأن الإسناد ومعرفة أحوال الرواة، وفي ذلك قال محمد بن سيرين رحمه الله: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم( ) وكان يقول: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.( )
وقد كان محمد بن سيرين نفسه شديد الحرص والعناية بشأن الإسناد والتفتيش في أحوال الرواة، قال علي ابن المديني رحمه الله: كان ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، ولا نعرف أحدًا أولَ منه: محمد بن سيرين، ثم كان أيوب وابن عون، ثم كان شعبة، ثم كان يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن ( ).
حفظ السنة في زمن أتباع التابعين:
استمرت العناية برواية حديث النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا، واستمر احتفاء الأئمة بالإسناد لم ينقطع، ورحم الله ابن المبارك الذي قال: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
وتميزت هذه الحقبة بكتابة المصنفات في جمع السنة، فمع وجود الكتابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنها لم تكن على نحو مصنف مرتب، إنما كان يكتب للحفظ والمراجعة فقط، أما في هذه الطبقة فصار الاهتمام بالتصنيف المرتب والمبوب، وهو مظهر يؤكد شدة العناية بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أمر مبكر، ويدفع توهمات من يظن أن الأمر ابتدأ بالبخاري أو مسلم، فممن صنف من أئمة الحديث: ابن جريج، والأوزاعي، ومحمد بن إسحاق، ومَعْمر بن راشد الأزدي، وسعيد بن أبي عَرَوبة، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وسفيان بن عيينة، والربيع بن صبيح، وجرير بن عبدالحميد، وابن المبارك، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغيرهم رحمهم الله جميعاً( ).
– زمن اتساع دائرة التأليف والتصنيف:
تعد هذه المرحلة والممتدة من القرن الثاني وحتى القرن الثالث الهجري مرحلةً ذهبيةً في جمع السنة النبوية، حيث ظهر علماء أفذاذ عندهم من التمكن والدراية بالحديث والأسانيد والعلل والرجال ما تفاخر به هذه المرحلة.

فقد اجتمع في هذه المرحلة أئمة كبار: كيحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وجماعة كبيرة جدًا من المحدثين. وتطورت عملية التصنيف لتظهر أنواع جديدة من التأليف، فالبخاري مثلًا سعى لجمع الأحاديث التي هي في الذروة العليا من الصحة، ليتبعه غيره كالإمام مسلم عليه رحمة الله، ثم ظهرت كتب السنن وغيرها، والتي قصد أصحابها إلى جمع الأحاديث وفق تبويبات لها منهجيتها الخاصة.
والحقيقة التي ينبغي إدراكها هنا أن الأحاديث المضمنة في هذا الكتب لم تظهر في هذه الحقبة فجأة كما قد يتوهمه بعض الناس، بل وقعت لأصحابها متصلة الإسناد بمن فوقهم حتى تصل إلى الجناب النبوي، في جهد علمي تراكمي، يعتمد فيه المتأخر جهد المتقدم ويبني عليه، في سلسلة علمية لم تنقطع، بل إن كثيرًا من الأحاديث الموجودة في هذا الكتب هي في الحقيقة انتخابٌ من كتب من فوقهم، حيث وقعت هذه الكتب لهم متصلة الإسناد مشافهةً، فسمعوا أحاديثها حديثًا حديثًا ممن حدثهم بهذا الكتاب، والذي بدوره سمعها ممن فوقه، فوقعت لهم هذه الكتب سماعًا وكتابةً، وهو ما يزيدنا اطمئنانًا ووثوقًا بصحة ما نقلوا ودقته، فإذا عقدنا المقارنة بين الفرع (الكتاب الناقل) والأصل (الكتاب المنقول) ونظرنا في تلك الأحاديث تضاعف اطمئناننا إلى عظيم الدقة العلمية التي أحكمها أئمة الإسلام في الرواية، وتبدد كل مظهر لذاك الوهم السخيف الكاذب: أن عمل أئمة الحديث مستأنف في هذه الحقبة، وأنه منقطع الصلة عمن فوقه.
فهذا الإمام البخاري رحمه الله مثلاً يروي بإسناده حديثًا فيقول: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه، واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إن ناسًا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم «على لبنتين، مستقبلا بيت المقدس لحاجته». وقال: لعلك من الذين يصلون على أوراكهم؟ فقلت: لا أدري والله. قال مالك: يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض، يسجد وهو لاصق بالأرض( ) .
فهذا حديث كما تراه يرويه البخاري من أحاديث الموطأ متصل الإسناد إلى مالك رحمه الله، وهو متصل من طريق مالك في الموطأ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل ينقل البخاري كلام مالك من الموطأ لنطمئن تماماً على أن الحديث المنقول هو من الموطأ حقاً، وهو الواقع بمراجعة الموطأ، فيظهر لنا الحديث بالتعليق حرفًا بحرف.

والمقصود أننا أمام ظاهرة علمية تراكمية اندمج فيها الجهد العلمي السابق في اللاحق عبر أداة الإسناد، وحدثت فيه عملية ابتلاع علمي ممنهج لصُحُفِ الصحابة، ونُسُخِ التابعين، ومُصَنّفَات تابعي التابعين، لتأخذ أحاديثهم مواضعها من مصنفات الأئمة المتأخرين عنهم، فما تضمنته هذه المصنفات من الحديث ليست أحاديث جديدة اكتشفت في لحظة علمية متأخرة، وإنما هي انتخاب دقيق من مدونات حديثية سابقة، ساعد على تشكّلها وتضمينها تقاليد رواية الكتب بالأسانيد.
ثم إنه تشكل أيضًا على ضفاف الإسناد والمتن علوم مساندة، تسعى إلى ضبط كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهما، فانتشر التأليف في تواريخ الرجال، ورواة الحديث، والجرح والتعديل، وعلوم المصطلح، والعلل والسؤالات، بالإضافة إلى غريب الحديث، وشروح كتب السنة، والتخريج، والمستخرجات، والمستدركات، وغير ذلك.
فقد جمع البخاري كتاباً كبيراً في رواة الحديث قبل أن يجمع كتابه الصحيح، ودون أصحاب الإمام أحمد وابن معين وابن المديني كلام أئمتهم في الرجال والعلل والتصحيح والتضعيف في كتب متعددة سميت بالمسائل، وصنف ابن أبي حاتم كتابَ الجرح والتعديل، ومسلمٌ كتابَ التمييز ومقدمة الصحيح، والترمذيُّ العللَ، وأبو داود رسالةً إلى أهل مكة، وبلغ علم الحديث غاية نضجه، وتمام استوائه.
وهذه حقيقة يصعب على من لم يقرأ في علوم الحديث المتنوعة أن يتصورها، فمن أعظم جوانب العبقرية في تاريخ هذه الأمة العلمي تلك العلوم الكثيرة التي أسست لضبط شأن الرواية والتحقق منها والتمكن من فرز صحيح السنة من ضعيفها.
ويكفي لتذوق طرفٍ من هذا الشأن أن تطالع بعض مختصرات كتب المصطلح لتطلع بنفسك على حجم التقسيمات الفنية الدقيقة لفرز مراتب الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولتتأكد بنفسك على عبقرية هذا المنهج واتكائه على معطيات عقلانية تحقق أكبر قدر من الضمانة الممكنة لحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتدرك كمية الجهل والعبثية في دعاوى الطاعنين في هذه المنهجية، وأن جمهور ما قالوه إنما نشأ من جهل حقيقي بتفاصيل هذه العلوم، لا عن شبهات تشكيكية حقيقية ناشئة من بحث وتدقيق وتحري.

وإذا تدبرت ما سبق استعراضه من تاريخ علمي مختصر يكشف عن عناية الأمة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وجدت أنه لم يقم على ركيزة واحدة وهو النقل المكتوب، وإنما تعاضد معه الأخذ من أفواه الرجال، فلم يكن الأمر قاصرًا عندهم على مجرد الاطلاع على الكتب والاعتماد عليها، وإنما تزاوج النقل سماعًا مع الضبط كتابةً، تعاضدَ ضبط الصدور وضبط السطور لضمان حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
بل من تأمل واقع الحياة الاجتماعية في تلك العصور، وكيف امتزجت كثير من الأحوال العلمية بحياة عامة الناس، حتى صار الأمهات والآباء يدفعون بصغارهم لتحصيل الحديث، وظهرت الحلقات العلمية التي يقصدها الآلاف في كل مكان، وبرزت الرحلة في طلب الحديث، وكيف أسهم هذا الجو العلمي والاجتماعي والتربوي إيجابًا في إشاعة الاهتمام بعلوم الحديث بكافة مساراته، فسيتأكد من حجم عناية الأمة بكافة طبقاتها بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي قضية يصعب على من لم يقرأ شيئًا من تاريخ تلك الحقبة أن يتصورها، أما من قرأ طرفًا ولو يسيرًا من ذلك فلن يجد في نفسه قبولاً للشبهات المشككة والطاعنة في جهود أئمة الإسلام في صيانة السنة النبوية.

والخلاصة أن الطعن في حفظ السنة بدعوى عدم تدوينها مبكرًا دعوى تكشف عن جهلٍ شديد بتاريخ الرواية وطبيعتها وما حظيت به من جوانب العناية المختلفة، فالتدوين كما رأينا وجد مبكرًا في زمن النبوة، وقد سار يدًا بيد مع التلقي الشفهي عبر بوابة الإسناد، وفق مساعٍ عظيمة لضمان حفظ سنته صلى الله عليه وسلم، والتي بلغت الغاية في التثبت والتحوط.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى