(٦) المسألة فيها خلاف


هذه مقولة تتكرر بين الناس، وهي تعبر عن معنى شرعي صحيح، فالأحكام الفقهية ليست كلها محل اتفاق بين أهل العلم، بل منها ما هو محل لإجماعهم، ومنها ما ليس كذلك، إذ النصوص الشرعية ليست كلها قطعية لا تحتمل الخلاف، بل منها القطعي المحكم ومنها ما هو دون ذلك، وهذا التفاوت الواقع في الأدلة هو من أهم أسباب وقوع الاختلاف بين الفقهاء، وتعددت بسببه المدراس والمذاهب الفقهية، وكلها تبحث في ثبوت الأدلة وصحتها، وتنظر في دلالة تلك الأدلة، ولهم قواعد ومرجحات في ذلك.
وهذا الخلاف الفقهي معروف بين المسلمين من قرون، فهو ليس شيئا ًجديداً، كما أنه ليس شيئاً غريباً، فعامة المسلمين يدركون أن العلماء يختلفون، وأن الأحكام الشرعية ليست كلها في مرتبة واحدة من جهة القطعية والاتفاق، ولهذا نشأت المذاهب الفقهية وانتشرت في العالم الإسلامي على امتداد تاريخه، وأصبح من العرف السائد أن يكون لأهل كل بلد مذهب معين شائع بينهم وتكون فتاواه هي المنتشرة، وعلى وفقه يحكم القضاء ويفصل بين خصومات الناس، وربما يشاركه في بعض الأحيان مذهب أو أكثر، ولكل بلد أوضاعه في ذلك.
فليس القصد من إطلاق هذه المقولة (في المسألة خلاف) إخبارنا بهذه الحقيقة البدهية، وإنما يقع التذكير بها للإشارة إلى نمط معين يراه المُذكِّر لكيفية التعامل مع الأحكام المختلف فيها، فمطلقها يريد أن يقرر من خلالها عدم جواز فرض اختيار فقهي أو رؤية مذهبية وجعله من قبيل الدين اللازم الذي لا يجوز لأحد الخروج عنه متى كان ذلك الخيار أو تلك الرؤية في مسألة اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، فثم مذاهب واجتهادات معتبرة، والواجب البحث عن مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، فليس ترجيح هذا الملزم باختياره بأولى من ترجيح من خالفه، وليس له أن يجزم بأن ترجيحه هو عين مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا المعنى كما ترى في الجملة صحيح، وهو رد صحيح على من يغلو في تعطيل الخلاف الفقهي وعدم الاعتداد به، ويحكم بلزوم الأخذ برأيه وترجيحه فيما كان موضعًا للاجتهاد.
لكن هذه المقولة قد تتمدد فيتجاوز بها قائلها حدودها المعتبرة، ويقع في أخطاء غير سائغة، ومن ذلك:
1-تتبع الرخص:
إذ يصبح همُّ الشخص في البحث عن الأيسر والأسهل في كل مسألة، فلا يكون قصده معرفة الحكم الشرعي، ولا سؤال من يثق بعلمه ودينه، وإنما يريد من يفتي له بالرخصة، وإذا وجد أي فتوى بالرخصة تمسك بها في كل مسألة بغض النظر عن قائلها ومستندها، ولذا فهو حين يقول: في المسألة خلاف، فإنما يريد أن يتخذ من هذه المقولة تكأة في فتح باب التخيير في الأقوال الفقهية فينتقي منها ما يناسبه، وهذا لا شك مخالف لمنهجية النظر الفقهي في الخلاف، فإن العلماء مع وقوع الخلاف بينهم إلا أنهم متفقون على تحريم تتبع الرخص بهذه الطريقة، لسبب ظاهر قطعي وهو أن الترخص بهذه الطريقة يخالف روح الاجتهاد الفقهي الذي هو بحث عن المراد الشرعي إلى تتبع مرادات الهوى والبحث عن حظوظ النفس، وهذا مناقضٌ لقصد الشارع في إنزال الشريعة، يوضح ذلك الإمام الشاطبي بقوله: (المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطراراً)( ).
ومن هنا قال سليمان التيمي رحمه الله عبارته الشهيرة: (إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله)، قال ابن عبدالبر معلقاً: (هذا اجماعٌ لا أعلم فيه خلافاً) .
وهو معنى متواتر في كلام أهل العلم ، فقد قال الأوزاعي رحمه الله: (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام) . وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: (إذا حملتَ شاذَّ العلماء حملتَ شراً كثيراً) . وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي رحمه الله: (دخلت على المعتضد، فدفع إليّ كتاباً نظرت فيه وكان قد جمع فيه الرخص من زَلَلِ العلماء، وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، مؤلف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب) .

لكن بقي التنبيه على قضية مهمة لئلا يقع التباس، فمصطلح الرخصة يتناول أمرين: الرخصة الشرعية، ورخص الفقهاء، والفرق بينهما ظاهر، فرخص الشريعة هي أحكام الشريعة التي جاءت بالتيسير والتخفيف عما فيه حرج ومشقة، كجواز قصر الصلاة وجمعها للمسافر، وجواز الفطر في رمضان للمريض، والأكل من الميتة عند الضرورة، ورفع الحرج عن المكره، فهي أحكام شرعية مأخوذة من الشارع قطعاً أو ظناً، وأما تتبع رخص الفقهاء فهي البحث عن اختيارات الفقهاء واجتهاداتهم في فهم النص، وهي تقوم على عملية انتقائية عبثية يُلَفَّقُ من خلالها بين مذاهب الفقهاء وأقوالهم للخروج بمزيج مضطرب متناقض وفق معيار تطلب الأسهل، فلا تكون الهمة منصرفة إلى البحث عن الدليل، وإنما تكون منصرفة للبحث عن الفتوى المناسبة بل والزلة أحيانًا، فيؤخذ بها إن كانت رخصةً.
وهي في الحقيقة عملية متناقضة علميًا، فالرخصة التي أُخِذَت من هذا الفقيه مبنية على دليل عنده، وقد يكون هذا الدليل مناقضًا للرخصة المأخوذة من الفقيه الآخر، ولكن هذا غير مستحضر، لأن السعي لم يكن بحثاً عن الأدلة أصلًا وما تفضي إليه بل الغاية تحصيل الأيسر والأسهل فقط، وهو ما يفسر لك شدة أهل العلم في التشديد على هذا الصنيع.
2-اعتبار كل خلاف:
فقد يندفع آخرون بدعوى قولهم: (في المسألة خلاف) إلى القبول بأي خلاف من دون مراجعةٍ لأهل العلم وسؤالهم، وهذا يوقع في غلطين ظاهرين:
الغلط الأول:
إسباغ الاعتبار للخلاف غير المعتبر، فليس كل ما يحكى من خلاف يكون معتبراً، بل كل قولٍ مخالفٍ للإجماع أو النص الظاهر الذي لا معارض له فليس بخلاف معتبر، وبناء عليه فلا يجوز رد الحكم الشرعي البيّن بدعوى وجود مثل هذا الخلاف، فالخلاف عند العلماء على قسمين:
-خلافٌ معتبر: وهو الذي تتسع له الدلائل، ويحتمله الحكم، بحيث لا يكون ثم نص قاطع في محل النزاع، أو إجماع معتبر متقدم على وقوع الخلاف.
– خلافٌ غير المعتبر: وهو الذي قد خالف نصاً أو إجماعاً فلا يجوز اتباعه.
قال الشافعي: (قال: إني أجد أهل العلم قديمًا وحديثًا مختلفين في بعض الأمور، فهل يسعهم ذلك؟ قال: فقلت له: الاختلاف على وجهين: أحدهما محرم، ولا أقول ذلك في الآخر)( ).
فالقول: بأن في المسألة خلاف قد يكون عند بعض الناس شاملًا للخلاف غير المعتبر، فتجده يذكر أقوالاً شاذة أو مهجورة أو ضعيفة في مقابل نصوص صريحة، وهذا خلل، فالواجب على المسلم هو اتباع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس وجود الخلاف بموجب للحيلولة دون تحقيق هذا الواجب، فضلًا عن التعلق بشاذ الأقوال وضعيفها.
الغلط الثاني:
الحكم على ما ليس فيه خلاف بأن فيه خلاف، بسبب عدم معرفة طبيعة الخلاف المذكور وما يحتف به من شروط أو موانع، فبعض الأقوال تكون متعلقة بشروط أو أحوال أو موانع لا يحسنها كل أحد، بل تتطلب عالماً بطبيعة المسألة، فمن يتمسك بأي خلاف قد يتهاون في توظيف أي قول في سياق مخالفٍ له.
3-توهم أن الخلاف بحد ذاته حجة:
يتوهم من يستدل بقاعدة (فيه خلاف) أن الخلاف حجة بذاته في ترك الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكأن من شرط اتباع الدليل هو الاتفاق عليه وهذا باطل بالإجماع، فلا أحد من العلماء يشترط للعمل بالدليل وقوع الاتفاق عليه، بل كلهم متفقون على وجوب العمل بالدليل متى ما لاح للإنسان أنه هو المراد الشرعي، وخلافهم في البحث عن هذا المراد، لا أن يتوقف العمل بأي دليل حتى يتفق عليه، فهذا قلبٌ للميزان إذ الواجب هو اتباع الدليل ومحاكمة الأقوال إليه وليس العكس.
يقول الإمام ابن حزم رحمه الله: (وبالجملة فهذا مذهب لم يخلق له معتقد قط وهو ألا يقول القائل بالنص حتى يوافقه الإجماع، بل قد أصبح الإجماع على أن قائل هذا القول معتقداً له كافر بلا خلاف لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف بين أحد في وجوب طاعتها)( ).
ولهذا، اختلف العلماء في كيفية التعامل مع الخلاف المعتبر، سواء بالنسبة إلى المجتهد أو المقلد، وذلك أنهم متفقون على وجوب اتباع الدليل، فإذا وقع خلاف فماذا يفعل العامي والمجتهد؟ وهذا الخلاف ناشئ من اتفاقهم على وجوب اتباع الدليل ورفض جعل الخلاف بذاته حجة، وإنما البحث عن الطريقة الأقرب في كيفية التعامل مع الخلاف، وهو بالنسبة للعالم المجتهد يحصل باستفراغ وسعه وبذل الجهد الواجب في تطلب الحق من خلال نظره في الأدلة الشرعية، ويكون مأجوراً بكل حال إن فعل ذلك أصاب الحق أو أخطأه ، فإن كانت الإصابة فقد أصاب أجرين وإلا كان له أجر واحد وخطؤه مغفور، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)( ).

أما العامي فالواجب عليه استفراغ وسعه في تطلب العالم الصالح لأن يفتي، وأن يحسن السؤال، ويتجرد من دواعي الأهواء أن تحرفه عن تطلب الحق، ويسلك في ذلك طريقًا شرعيًا يناسبه للتعرف عليه في حال وقوفه على الخلاف، وهو ما نبه إليه الإمام ابن القيم عليه رحمه الله حيث يقول: (فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر فهل يأخذ بأغلظ الأقوال، أو بأخفها، أو يتخير، أو يأخذ بقول الأعلم، أو الأورع، أو يعدل إلى مفت آخر فينظر من يوافق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه فيه سبعة مذاهب، أرجحها السابع فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين)( ).
ومن آثار الظن بأن الخلاف بحد ذاته حجة أن يعتقد بعض الناس أن وجود الخلاف يعني الإباحة فإذا سمع بوجود خلافٍ في أي مسألة ظنَّ أن هذا مساوٍ للإباحة، وهو أمر اشتكى منه الشاطبي رحمه الله قديماً فقال: (وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدوداً من حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم)، ثم حكم على هذه الطريقة بأن هذا: (عين الخطأ في الشريعة، حيث جعل ما ليس بمعتمدٍ معتمداً وما ليس بحجة حجة)( ).
ويكشف ابن تيمية عن مصادمة هذه الطريقة للشرع والإجماع، فيقول:(جنس التحريم إما أن يكون ثابتاً في محل خلاف، أو لا يكون، فإن لم يكن ثابتاً في محل خلاف قط لزم أن لا يكون حراماً إلا ما أجمع على تحريمه، فكل ما اختلف في تحريمه يكون حلالاً، وهذا مخالف لإجماع الأمة، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام)( ).
4-التهاون في أداء الاجتهاد الواجب عليه:
إذا تعود المسلم على مواجهة أي حديث فقهي يسمعه بأن فيه خلافاً، سيؤول به الحال إلى ضعف اتباعه للحكم، وغلبة التقصير عليه بما يؤدي إلى الوقوع في المحرمات والتهاون فيها، لأنه عوَّد نفسه الاحتجاج بالخلاف وهو مقصر في معرفة طبيعة الخلاف، ومقصر في معرفة الدليل، فالاحتجاج بالخلاف مع التقصير في هذين الأمرين يؤول به في النهاية إلى تضييع الواجب الشرعي عليه، وهو يتعلق بـ:
-بواعث تبني الرأي في هذا اللون من الخلاف، فالواجب تطلب الحق وإرادة تحقيق مراد الله لا تلمس هوى النفس وما يناسب الإنسان، وتغليف ذلك بادعاء وجود الخلاف.
-سلوك الطريق الشرعي الصحيح للترجيح في هذا اللون من الخلاف بحسب طبيعة الناظر ومعرفته وعلمه على ما تقدم.
يقال: لكن لا إنكار في مسائل الخلاف.
وهذه في الحقيقة قاعدة شرعية معتبرة، لكن مجال تفعيلها في المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، وأما ما فيه دليل صريح لا معارض له أو كان موضع إجماع فإنه يتعين الإنكار على صاحبه.
وللإمام ابن تيمية تفصيل حسن جدًا فيما يتعلق بهذه القاعدة يحسن إيراده هنا، إذ يشرح فيها طبيعة ما لا إنكار فيه، وطبيعة الإنكار المقصود، وهو تفصيل يغفل عنه كثير ممن يتناول هذه القاعدة، يقول عليه رحمة الله:
(وقولهم: مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار، إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة، أو إجماعا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة، أو إجماع وجب إنكاره أيضًا بحسب درجات الإنكار كما ذكرناه من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وإن كان قد اتبع بعض العلماء.
وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهدًا، أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس – والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً، مثل حديث صحيح لا معارض من جنسه فيسوغ له -إذا عدم ذلك فيها- الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة، أو لخفاء الأدلة فيها وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعنٌ على من خالفها من المجتهدين، كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف)( ).
فهذا منه رحمه الله تحقيق علمي عالٍ يحل إشكالًا يطرأ عند بعض الناس، بتوهم أن الإنكار معنى صلب جامد لا يقبل التفاوت، والحق أن الإنكار يتفاوت قوةً وضعفًا لاعتبارات متعددة:
-فالإنكار تبع للعلم، فكلما قوي جانب العلم بحقيقة المسألة والراجح فيها، قوي فيها جانب الإنكار، وكلما ضعف ضعف الإنكار أيضًا، وإدراك هذا يفسر لك سببًا من أسباب تشدد بعض أئمة السلف في مسائل قد تبدو في عين المتأخر مسألة خلافية معتبرة، لكن لا يلزم أن تكون كذلك في حس ذلك الإمام، وقد سبق بيان أن مساحة من النسبية يدخل على توصيف المسائل وإعطائها درجة القطع أو الظن.

ثم إن الإنكار نفسه يتفاوت قوةً وضعفًا بحسب العلم، فقد يكون بالإزالة والتعنيف والزجر وذلك فيما كان قطعيًا، وقد يضعف فيما دونه من المسائل حتى يكون مجرد تذكير ونصيحة ومناقشة في العلم وبيان للأصوب والأرجح ونحو ذلك.
-النظر في حال المنكَر عليه، ففرق بين الصادق المريد للحق، فمثله أولى أن يترفق به في حال الإنكار، بخلاف من ظهر عليه بالقرائن غلبة الهوى والإعراض عن طلب الحق، فمثله يُعامل بما يستحق من تغليظ الإنكار.
-مراعاة نظر الناس وردود أفعالهم، ومدى تأثرهم سلبًا بالمسألة نفسها، أو بالإنكار عليها، وأثره في تخفيف الشر أو زيادته.
والمقصود أن الإنكار في المسائل القطعية والظنية على رُتَبٍ كما نبه إليه شيخ الإسلام، وهي حصيلة موازنات بين اعتبارات متعددة تكشف عن وجه المصالح والمفاسد، وليس هو أمرًا جامدًا قابلًا للتطبيق في كل حال ومع كل شخص وفي كل مسألة.
وقد يستشكل بعضهم ويقول: كيف يصح الإنكار على شخص قد يكون جاهلًا، أو متأولًا، والإثم مرفوع عنهما؟
والجواب هو بإدراك الفرق بين باب الإنكار، وباب التأثيم، وعدم الخلط بينهما، فباب الإنكار والنصيحة أوسع بكثير من باب التأثيم والحرج، فكثير من المتأولين الذين يقعون في مخالفة نص ظاهر، فينكر عليهم، مع احتمال كونهم معذورين عند الله تعالى، فلا تلازم بين الإنكار والتأثيم، فالإنكار متعلق بالمسألة، والإعذار متعلق باجتهاده وحسن نيته (ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها).
خلاصة الأمر: أن وقوع الخلاف في الشريعة أمر معتبر، وهو من السعة في الشريعة بأن لا يكون في مواردها الاجتهادية قول ملزم لا يسعهم الخروج عنه، وإنما يحذر المسلم من بعض المسالك الخاطئة في التعامل مع الخلاف لئلا يكون مقصراً فيما يجب عليه شرعاً.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى