(٧) لا يقبله العقل


تعد معارضة نصوص الوحي بالعقل واحدةً من أعظم أبواب الانحراف، وأحد مسببات الضلال الكبرى، فإذا ما أورد نص شرعي على بعض الناس ولم يستوعبه عقله بادر قائلًا: هذا الكلام لا يقبله العقل، قاصدًا رد دلالة ذلك النص، والطعن فيه.
وقبل الخوض في رفع ما يتعلق بهذه المسألة من توهمات، لا بد من الانطلاق من رؤية تستصحب تكريم العقل ومعرفة قدره ومكانته، فليس القصد هنا التهوين منه، أو إلغاء اعتباره، فإن الوحي ذاته قد دل على أهمية العقل، وأظهر حفاوة بالغة به، عبر مسارات متنوعة، ومن ذلك:
1) جعل العقل مناطًا من مناطات التكليف: فنقصه أو زواله مؤثر في ثبوت وصف التكليف الشرعي، فمن لا عقل له لا تكليف عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ)( ).
2) الحث على فعل التعقل والتفكر والتدبر في آيات الله وأمثاله، وفي تشريعاته، وفي مخلوقاته، فما أكثر ما يرد في القرآن: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، و(لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) و(لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)، فكلها تشير إلى ضرورة إعمال العقل لاستلهام الهداية.
3) حصر الانتفاع بالمواعظ والذكر والقصص والتشريع والأمثال القرآنية على أصحاب العقول، يقول تعالى: (وما يذكر إلا أولوا الألباب). ويقول سبحانه: (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون). ويقول عز وجل: (هل في ذلك قسم لذي حجر)، ويقول تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون).
4) ذم من أطفأ نور العقل وعطله فحرم نفسه الهداية واتباع الحق، قال عز وجل: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولوا كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون * ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون).
5) بيان وظيفة العقل في استنباط الأحكام والنظر في الأدلة، وكلما كان العقل أكبر وأوفر كان المرء أقدر على أداء واجبات الاجتهاد، وبضعفه تضعف ملكة الاجتهاد والاستنباط، يقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ).
6) جعل العقل واحداً من الضروريات الخمس التي جاء الإسلام للمحافظة عليها، فنهى عن الاعتداء عليه، ومنع من الإضرار به بتعاطي الخمور والمسكرات وغيرها يقول تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
فهذه بعض الدلائل الشرعية التي تدل على ما للعقل من مقام سام في التصور الإسلامي، وأنه لا غنى للمسلم من إعمال العقل طلبًا للهداية والخير، غير أن المسلم يجب عليه أيضًا أن يستحضر محدودية العقل، وعدم تمكنه من الخوض في كل شيء، وهو ما يتجلى باستحضار الأمور التالية:
الأمر الأول: أن العقل لا يدرك كل شيء:
ولهذا أرشدت الشريعة إلى ما يضبط فعله ببيان ما يمكن للعقل أن يتحرك فيه من مجالات وما يكون فيه عاجزاً عن خوض غماره، فلا غلو في العقل ليكون هو الحجة المهيمنة على كافة الأدلة، ولا جفوة تلغى من مكانته ووظيفته في الاستدلال الشرعي.
وأنت إذا تأملتَ في ضبط الشريعة لحركة العقل بتحديد ما يمكن أن يتحرك فيه من مساحات وما يعجز عن التحرك فيه، وجدت في هذا تكريماً للعقل أيضاً، لأنه يمنع من تبديد طاقة العقل فيما لا فائدة فيه، فمهما اتسعت الملكات العقلية فسيظل محدوداً في قدراته وطاقته وملكاته، ولن يستطيع أن يدرك كل الحقائق مهما أوتي من قدرة على الاستيعاب والإدراك، وإذا ما حاول الخوض فيما لا طاقة له للخوض فيه، فسيعرض صاحبه للالتباس والتخبط، وربما قاده إلى الضلال والتيه.
فالعقل مهما بلغ من القوة والذكاء فهو أداة تربطنا بالعالم من حولنا، فكما أن للعين مدى تنتهي عنده مقدرتها على الإبصار فلا تدرك ما وراء هذا المدى من مرئيات، فكذلك الشأن في العقل، فهو أداة الإدراك، له مجاله المحدود الذي يعمل فيه، ويدرك حقائق الأشياء في محيطه.
فإذا استحضرتَ مدى محدودية القدرة العقلية استطعت أن تفهم معنى منع الإسلام العقل من الخوض فيما لا يدركه، ولا يكون في متناول إدراكه.
فالغيبيات التي لا تقع تحت مدارك العقول لا مجال لها أن تخوض فيها، وليس لها أن تخرج فيها عمّا دلت عليه النصوص الشرعية، وذلك مثل معرفة حقيقة صفات الله تعالى، وتفاصيل أمور الملائكة والجن والروح والقيامة والجنة والنار ونحو ذلك، فالعقل البشري لقصوره لا يهتدي إلى تفاصيل تلك الغيبيات إلا بالرسالة والوحي.

الأمر الثاني: أن إدراك العقل للقضايا قد يكون إدراكاً مجملاً:

وكذلك ينبغي التنبه إلى أن إدراك العقل لكثيرٍ من القضايا إدراك مجمل لا مفصل، وقد يكون إدراكاً بعضياً لا شمولياً، فالعقل يدرك حسن العدل وقبح الظلم، وقد يدرك في بعض التصرفات أنها من قبيل العدل أو الظلم، لكنه قد يعجز عن تقييم كل فعلٍ: هل هو عدل أو ظلم؟ حسن أو قبيح؟ وهو ما يفسر ذلك التفاوت الهائل الذي يعرض للناس في تقييم كثير من المسائل متى كان المرجع للعقل وحده، وهو ما يفضي بنا إلى الأمر الثالث.

الأمر الثالث: تفاوت الناس في الإدراك العقلي:
ومن مشكلات العقل أيضًا التي ينبغي ملاحظتها أنه ليس شيئاً واحداً يقع لكل الناس على وجهٍ يتفقون فيه، بل هم يتفاوتون فيه تفاوتاً هائلاً، وهذه قضية واضحةٌ عند النظر في مقولات أصحاب الملل والنحل والعقائد، بل هي واضحة عند التأمل في سائر أحوال بني آدم، فالعقل وإن كان مشتركًا بين الناس في أمور، فإنهم في أمور كثيرة أخرى لا يظهرون ذات الاتفاق، فما يعلمه زيد بعقله قد يجهله عمرو، بل الإنسان نفسه قد يعلم بعقله شيئًا في وقت ثم يجهله في وقت آخر.
إذا استحضرت هذه الأمور الثلاثة: (محدودية إدراك العقل، وأنه قد لا يدرك تفصيلات الأمور، وأن الناس يتفاوتون فيه تفاوتاً كبيراً) توصلت إلى رؤية معتدلة في النظر إلى العقل وظهر لك الإشكال الذي يمكن أن يكمن في مقولة (لا يقبله العقل).
فالإشكال هنا ليس مع العقل، بل مع توهم ما ليس بعقلٍ أنه هو العقل، وهو خطأ يمكن أن يقع لكثير من الناس، لكن المشكلة تتعاظم حين يكون الأمر ناشئًا من غلو زائدٍ في العقل، وتحميلٌ له فوق طاقته بما يؤدي به إلى الوقوع في انحرافات وضلالات بدعوى العقل، والعقل منها براء.
فبسبب الغفلة عن محدودية العقل في الإدراك يتورط بعض الناس فيستند إلى ما يتوهمه عقلًا لينفي حقائق شرعية غيبية، وبسبب الغفلة عن قصور العقل عن الإدراك التفصيلي لكل القضايا يقوم بالتنكر لبعض القضايا الشرعية التفصيلية المحكمة، وبسبب الغفلة عن التفاوت والاختلاف في تحقيق العقل يجعل بعض الناس ما تعود عليه أو شاع في مجتمعه أو زمانه هو العقل الذي لا يمكن أن تأتي الشريعة بخلافه!
ولهذا، فالتعامل مع الأحكام الشرعية بطريقة (لا يقبله العقل) فيه قصور ظاهر، فهو يجهل حقيقة العقل، ويحيل إلى عقل متوهم يرد به من الأحكام الشرعية ما لا يستقيم مع مزاجه. وربما يتوهم إنه بإمكانه الإحالة للعقل في تحقيق كافة المسائل الفكرية والعقدية، وهي إحالةٌ على ما لا ينضبط، فكيف يصح أن يعترض على الشرع بما لا ينضبط، ولهذا فهذه الطريقة في الحقيقة طريقة ذوقية مزاجية.
إذن، ما هو المنهج الشرعي الصحيح في التعامل بين ما يبدو من تعارضٍ بين العقل والنقل؟
المنهج هنا يقوم على إدراك أن العقل الصحيح لا يمكن أن يعارض النقل الصريح، فما ثبت في الشريعة قطعًا لا يمكن أن يخالف العقل قطعًا، وما يحدث من توهم مخالفة فهو إما بسبب خطأ في فهم العقل، أو خطأ في فهم الشريعة.
وبناءً عليه فالواجب هو النظر في طبيعة المخالفة هنا، هل هي مخالفة حقيقية أم لا؟ فإن كانت مخالفة حقيقية لا يمكن أن يجمع بين الطرفين بجامع، فأحد طرفي المعادلة لا يثبت قطعًا، فينظر فيهما ويقدم ما كان سالمًا من الخادش، فإن كان العقل صحيحًا والنقل لا يثبت كان التقديم له، وإن كان العقل فاسدًا مع ثبوت النقل فالنقل مقدم.
أما إن كانت المخالفة متوهمةً في عين الناظر مع ثبوت الأمرين، فينظر في الدلالة ويقدم ما كان أقوى، ويرد الثاني إليه بوجه من التأويل المقبول، فإذا كانت دلالة العقل قطعية قدمت دلالته على الدلالة النقلية الظنية، وفسر النقل بما هو مقبول في العقل، وإن كان العقل هو الظني قدمت الدلالة النقلية القطعية عليه، وإن كانا ظنيين تطلب لهما القرائن المرجحة فمن رجحت القرائن كفته كان له التقديم، فاعتبار التقديم كما ترى ليس عائدًا إلى جنس الدليل من جهة كونه عقليًا أو نقليًا بل إلى نوعه قطعًا وظنًا، فالمقدم هو ما كان أقوى، وأما تساويهما في القوة بحيث يكونان قطعيان فأمر ممتنع مستحيل.
وكما ترى، فعندنا هنا مسلك في النظر يتسم بالعمق والعلمية، يغوص في ذات المسألة، ويجرد الأدلة، ويفحص أوجه الإشكال حتى يصل إلى الحق، فهذا هو النظر العقلي الصحيح الذي يحترم العقل ويقدره، ولا يقوم على حالة مزاجية غير منضبطة تتذرع بالعقل.
بقيت قضية واحدة نود الإشارة إليها، وهي التفريق بين مقامين يشتبهان عند كثير من الناس، ووقوع الاشتباه بينهما هو ما يدفع بعض الناس إلى تصور وقوع المعارضة بين نصوص الوحي والعقل، وهو: ضرورة التفريق بين محارات العقول ومحالات العقول، وبين المستحيلات العادية والمستحيلات العقلية، فمحارات العقول هي القضايا التي يحتار العقل في تصورها، ولكنه لا يملك ما يوجب ردها ورفضها، فيقف حائرًا مترددًا، وهذا التوقف والتردد لا يبيح رد النقل كما هو ظاهر، إذ النقل مثبت والعقل متوقف والواجب تقديم المثبت على المتوقف.

أما محالات العقول فهي ما يجزم العقل بنفيه واستحالته، وهو ما يوجب إدراك الفرق بين المستحيل العادي والمستحيل العقلي، فالمستحيل العادي هو ما يقع مخالفًا لما جعله الله في الطبيعة من سنن وقوانين، أما المستحيل العقلي فهي الأمور الممتنعة لذاتها كاجتماع النقيضين، كأن يوجد شخص حي وميت في نفس الوقت، أو سيارة واقفة ومتحركة في نفس اللحظة، وهكذا، فإذا أخبرت الشريعة بأمر فيستحيل أن يجيء على خلاف المستحيلات العقلية، لكن يمكن أن تخبر بما يخالف المستحيلات العادية، كشأن إخبار الوحي بمعجزات الأنبياء مثلًا، وبعض ما يخالف أحوال الدنيا من أحوال أخروية.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى