(٨) هذا مخالف للعلم


من المقولات التي شاع استعمالها في العصر الحديث، والتي أدَّت بكثيرٍ من الناس إلى معارضة جملة من الأخبار الشرعية، دعوى مخالفتها للعلم المعاصر، فهي مقولة تشابه إلى حدٍ ما مقولة (لا يقبله العقل)، لكن الفرق أن طرف المعارضة هنا هو العلم بدلًا من العقل، وعند تدقيق النظر في طبيعة من يطلق هذه المقولة، وطبيعة البواعث التي حملتهم على البوح بها، سنجد أنهم ليسوا جميعًا على طبقة واحدة، بل هذه المقولة قد تكون تعبيرًا عن نسخة مخففة من توهم المعارضة بين الدين والعلم، وقد تكون تعبيرًا عن نسخة أكثر عمقًا وخطورة من الإشكال.
فبعض الناس ليس لديه موقف إشكالي من الدين ولا من أخباره، فهو يراها مصدرًا لا غنى عنه في تحصيل العلم والمعرفة، لكن وقع في حسه التعارض بين نصٍّ معين وحقيقة علمية معينة، فرأى لزوم تقديم الحقيقة العلمية، ثم قد يدَّعي ضعف النص إن كان قادرًا عليه، أو يتأوله على وجه يسعى من خلاله للتوفيق بين النص والعلم.
وهذا الموقف يحتاج إلى قدر من التحليل والتفكيك، فإجمال القول هنا مظنة الوقوع في الخطأ، بل قد يجر إلى مشكلات خطيرة في إدراك موقع الدين أو موقع العلم من المعرفة، فليس من نصرة الدين السعي في إبطال العلوم مطلقًا، إذ: (ضرر الشرع ممن ينصره لا بطريقه، أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقه، وهو كما قيل: عدو عاقل خير من صديق جاهل)( ).
وليس هذا أيضاً من إنصاف الدين أو العلم، وقد أمرنا بالإنصاف والعدل، فلا بد من ضبط المنهج الشرعي في علاقة العلم والدين، وهو ما يمكن تحصيله من خلال إدراك المعطيات التالية:
المعطى الأول:
لا بد من تحرير مفهوم النقل والعلم الذي وقع توهم المعارضة بينهما، فالنقل المقصود هو الوحي كتابًا وسنة، وأما العلم فليس المقصود به مطلق العلم في مدلوله اللغوي، أو حتى في استعماله القرآني أو العرفي في كتب التراث والفلسفة، وإنما يراد به مدلول أكثر ضيقًا من هذه بكثير، والذي يمثل الترجمة العربية التي شاعت للفظة (Science) الإنجليزية، فالعلم وفق هذا الاصطلاح يدل على نمطٍ معين للمعرفة الإنسانية، والتي يمكن تحصيلها عبر منهجيات خاصة تسعى لاستكشاف الطبيعة بمختلف ظواهرها وخصائصها والقوانين الحاكمة لها. فالعلم وفق هذا المفهوم قاصر على المجال المادي المدرك للحواس، وهو قائم على المنهج التجريبي المعتمد على التجربة الحسية، وهدفه التعرف على الطبيعة وقوانينها.
وقد مُيّزَ هذا النمط من العلم عن مطلق العلم بإضافة كلمة الطبيعي أو التجريبي إليه تمييزًا له لئلا يقع الخلط، فقالوا: العلم الطبيعي أو العلم التجريبي.
المعطى الثاني:
أن كُلًّا من النقل والعلوم الطبيعية يتضمن جزئيات ليست على درجة واحدة من الإحكام والقوة، بل هي متفاوتة في ذلك، فالنقل من جنس الأخبار التي يجب أن يراعى فيها التأكد من ثبوتها، والاطمئنان إلى صحة دلالتها، وبناءً عليه فمن النقل ما هو قطعي في ثبوته أو دلالته، ومنه ما هو دون ذلك، فالقرآن الكريم ثابت كله بطريق القطع، لكن دلالة آياته تتفاوت، فمنها ما هو قطعي لا يتنازع في فهمه، ومنها الظني الذي يمكن أن يقع الاختلاف في دلالته، أما السنة فمنه ما هو قطعي الثبوت عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنه ما هو دون ذلك، كما أنها تتفاوت أيضًا في دلالتها كذلك.
ومثل هذا التفاوت واقع في العلوم الطبيعية التجريبية، فما يدخل في إطارها متفاوت أيضًا تفاوتًا كبيرًا، فهناك فرضيات، ونظريات، وحقائق علمية، وهناك ما يخضع للتجربة الحسية المباشرة، وما يكون من قبيل النماذج التفسيرية للظواهر الطبيعية، فالقطع في العلوم التجريبية إنما يصح فيما كان قائمًا على المعطى الحسي القطعي، ككروية الأرض، وسقوط الأجرام إليها، ووجود الكواكب والنجوم، ونحو ذلك، وأما سعي الإنسان في تقديم نماذج تفسيرية لما يراه من ظواهر فهي دون ذلك في الرتبة، والعلم الطبيعي يصحح نفسه في هذه المجالات باستمرار، ويطور هذه النماذج لتكون أكثر وفاءً لهذه الظواهر.
وهذه التفسيرات مع صعوبة القطع فيها إلا أنها تتفاوت قوة، فمنها ما هو أقوى من غيره، ومنها ما لا يتنازع فيه حتى تأتي نظرية أقوى منها لتحتل موضعها.
بعد اتضاح ما سبق، نأتي للسؤال المحوري: هل يمكن أن يقع التعارض بين النقل والعلوم الطبيعية أم لا؟
والجواب:
-أما التعارض بين قطعيات النقل وقطعيات العلوم الطبيعية التجريبية فلا يمكن أن يقع، فإن النقل وحي من الله الذي خلق الكون بما فيه، وهو العليم سبحانه بتفاصيل أحوال العالم وسننه، فلا يمكن أن يأتي الوحي بما يخالف شيئًا من قطعيات العلم، وذلك لكمال علم الله وحكمته وصدقه ورحمته، قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا)، فمن دلائل كون هذا القرآن من عنده تعالى تنزهه عن الاختلاف الداخلي، فلا يوجد في نصوصه تعارض، وتنزهه أيضًا من الاختلاف الخارجي، فلا تأتي نصوصه بما يخالف قطعيات الواقع.

-أما إن وجد ما يوهم التعارض بينهما، فإنما هو لخللٍ في تصور طبيعة النقل أو طبيعة العلم، وهو ما يستدعي تدقيقًا فيهما للتعرف على ما كان أقوى في الدلالة فيكون مقدمًا، فالنقل قد لا يكون صحيحًا من جهة الثبوت، أو محكمًا من جهة الدلالة، فإذا كانت المعرفة العلمية قطعية هنا كانت مقدمةً على هذا النقل ولا إشكال، والعكس بالعكس، فإذا كان النقل قطعي الثبوت والدلالة فلا بد أن الإشكال فيما يدعى أنه حقيقة علمية، أما إن كانت دلالة هذا وهذا ظنية فيتطلب ما يرجح كفة أحدهما على الآخر.

ولنضرب بعض الأمثلة التي توضح هذه القاعدة:
المثال الأول:
جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: (من حَدَّثَ حديثًا، فعطس عنده، فَهُوَ حَقٌّ)( ). فهذا الحديث يدل على أن ما عُطس عنده من الكلام فهو حق وصدق، فهل هذا يصح في ميزان التجربة والحس؟!
قال ابن القيم رحمه الله: (وهذا وإن صحَّح بعض الناس سنده فالحس يشهد بوضعه، لأنا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله، ولو عطس مئة ألف رجل عند حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بصحته بالعطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق)( ). فتأمل كيف جعل ابن القيم مخالفة الحديث للحس والواقع أمارة على بطلان الحديث، وهو الواقع، فالحديث ضعيف جدًا أو موضوع كما نبه إليه غير واحد من أهل العلم( ). فالتعارض هنا إنما وقع بين الحس القطعي والنقل الضعيف، فالمقدم الحس.
المثال الثاني: 
من الحقائق العلمية المقطوع بها أن الشمس أكبر من الأرض، وأنها لا تزال تشرق وتغرب على أناس، فكيف يوفق بين هذه الحقيقة العلمية وبين قوله تعالى: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) والعين الحمئة هي الحارة ذات الطين، فالآية قد توهم بعض قرائها بأن الشمس تغرب في نهاية النهار في عينٍ من الماء، وهو ما يخالف المحسوس من شأنها.
فالإشكال هنا إنما وقع لتوهم أن الآية دلت على أن الشمس تغطس في هذه العين فتغرب فيها، فيقال لمن وقع له هذ التوهم: هل هذه الدلالة من الآية دلالة قطعية محكمة؟ والجواب قطعًا: لا، ولهذا اتفق المفسرون على أن المقصود أنها تغرب في عين الرائي، بمعنى أن من يشاهد الشمس في نهاية النهار يراها كما لو أنها تغرب في عين حمئة، وهذا من سعة من العربية.
فتوهم التعارض هنا نشأ من سوء فهم لدلالة الآية ومقصودها، وإلا فإذا فهمت الآية على وجهها ارتفع الإشكال.
المثال الثالث:
حديث: (لاَ عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، ولا هَامَةَ ولا صَفَرَ، وَفِرَّ من المجْذُومِ كما تَفِرُّ من الأسد)( ). ظن بعضهم أن هذا الحديث ينفي العدوى مطلقًا، ثم قالوا: وما من شك أن المرض ينتقل في ضوء أسباب طبيعية من المريض إلى الصحيح، فيلزم رد هذا الحديث وتكذيبه، والحق أنهم لم يدركوا دلالة هذا الحديث فحملهم سوء الفهم له على رده وتكذيبه.
فليس مقصود الحديث نفي هذه الحقيقة الطبيعية المشاهدة بانتقال العدوى من المرضى للأصحاء، كيف وقد جاء في ذات هذا الحديث: (وَفِرَّ من المجْذُومِ كما تَفِرُّ من الأسد) وهو ما جاء تأكيد معناه في حديث الطاعون المشهور وغيره، وإنما مقصود النبي صلى الله عليه وسلم نفي تصورٍ جاهلي للعدوى، لا نفي كل عدوى، حيث كان بعضهم يعتقد أن هناك كائنات خرافية هي المتسببة في العدوى، أو أن يكون مقصود النبي صلى الله عليه وسلم نفي ما كان يعتقده بعضهم من أن المرض ينتقل بذاته استقلالًا من المريض إلى الصحيح دون تقدير الله تعالى، أو غير ذلك من المعاني الباطلة، فردُّ الحديث قبل استيفاء النظر فيه وفهمه على وجهه سيوقع في إشكالية توهم التعارض.
المثال الرابع:
حديث: (العين حق)( ) ، فقد يتذرع بعضهم بالعلوم التجريبية لرد هذا الحديث، فيقول: إن الاعتقاد بالعين لا يصح في ضوء العلوم الطبيعية المعاصرة، فيُقْدِمُ على رد الحديث أو التشكيك في شأن العين، وهو موقف غير صحيح يكشف عن إشكال في إدراك المنهجية الشرعية الصحيحة في الجمع بين مقتضيات العلم والشرع، فنحن هنا لسنا بصدد تعارض إيجابي بين طرفين يثبت كل منهما معنى يعارض الآخر، بل الوحي مثبت هنا، والعلوم الطبيعية في الحقيقة ساكتة، فعدم إثبات العلم لشيءٍ لا يعني نفيه بالضرورة، وهو أمر مبني على مبدأ عقلي صحيح وهو أن عدم الدليل المعين لا يلزم منه نفي المدلول، وأن عدم العلم ليس علمًا بالعدم، ففرق كبير بين أن تثبت العلوم الطبيعية عدم صحة ما جاء في هذا الحديث، وبين عجزها عن إثبات صحته أو نفيه، فلا يصح والحالة هذه رد الحديث بدعوى المعارضة إذ لا معارضة في الحقيقة.
ومن خلال هذا المثال الأخير ينكشف لك حجم جناية بعضهم حين يتنكر لجملة من الأخبار الشرعية المتعلقة بالجن أو السحر أو المعجزات أو غيرها، بذريعة مخالفتها للعلم، وحقيقة الأمر عند التدقيق أنها معارضة بين ما نجهل ثبوته بالعلم وبين النقل، لا ما نعلم عدمه قطعًا في ضوء العلم، ثم إن العلم المادي يتحرك في مساحة الجانب المادي المحسوس، فكيف يحق له أن يثبت أو ينفي أمراً يتعلق بغير المجال المادي؟

فتأثير الأرواح الشيطانية في السحر والعين هو متعلق بجانب غير مادي، لا يمكن إثباته بالعلم التجريبي ولا يمكن نفيه، لأنه متعلق بجانب خارج عن اختصاصه، وبناءً عليه فلا يصح الاعتماد على دليل مادي لنفي هذا، ومن ينفي بناءً على هذا الدليل فهو في الحقيقة يعتمد على اعتقاد مسبق عنده، وتصورات مستقرة عنده لا تؤمن بهذه الأمور، وليس للعلم التجريبي علاقة بذلك.

النزعة العلموية:
وهذا يدعونا إلى بحث نزعة أشد مغالاة في العلوم التجريبية، وتتخذ مواقف أكثر حدة من النقل في مثل هذه المجالات، وتتأكد أهمية الكلام على هذه النزعة المغالية في العلوم التجريبية مع انتشار عدد من البرامج الشعبية العلمية التي تستبطن هذه النزعة بوعي أو بغير وعي.
فمن أخطر مظاهر الغلو المعاصر في العلوم التجريبية حصر المعرفة الإنسانية البشرية في إطارها، وادعاء قدرتها على الوفاء بما يطلب منها كأداة تفسيرية لكل شيء، فما كان داخلًا في قدرتها فهو المقدور على إدراكه، وما عجزت عنه فلا سبيل إلى تحصيله وإدراكه، تزداد المشكلة باستحضار أن العلوم التجريبية إنما تنحصر في الإطار المادي الطبيعي، وبناءً عليه فكل ما كان خارجًا عن هذا الإطار فسيكون تلقائيًا محلًا للرفض والتكذيب، إذ لا سبيل للعلم إلى دركه، وما كان كذلك فيستحيل أن يكون علمًا، وما ليس بعلم فإنما هو خرافة ودجل.
وقد أطلق بعض المهتمين على هذه النمط المغالي في إمكانيات العلوم التجريبية لفظة (ساينتزم) (Scientism) وهو مصطلح منحوت من كلمة (ساينس) أي علم، مضافاً إليها ما يدل على الطبيعة الأيدولوجية لهذا الإيمان الشديد بإمكانيات العلوم التجريبية وحصر مصدرية المعرفة فيها، وقد تُرجمت هذه اللفظة في الفضاء العربي بـ(العلموية).
وظاهرة الغلو هذه ليست جديدة تماماً، بل هي ظاهرة قديمة نسبياً، لكن يبدو أن الأيام لا تزيد ظاهرة الغلو هذه إلا غلواً، وليس بخافٍ أن جزءاً من مبررات هذا الغلو يعود للمكتسبات العلمية والمنجزات التقنية الهائلة التي تحققت بسبب المنهج العلمي والذي أحدث تحولاً ضخماً جداً في حياة البشر على كافة المستويات، بما لا يمكن قياسه.
لكن المشكلة هو في هذا التعاطي التحقيري مع الموارد المعرفية الأخرى ومحاولة حصر المجال المعرفي بتفاصيله وتعقيداته وتبايناته في هذا المورد وحده دون ما سواه.
ونكتفي هنا بالكشف عن أهم مشكلات هذه النزعة، بما يدل على انحرافها وضلالها( ):
1- العجز عن الإثبات:
وهي أكثر إشكاليات هذه النزعة طرافةً، فهي نزعة معرفية عاجزة تمامًا عن إثبات صحتها، فصحة المنهج التجريبي الذي تتأسس عليه النظرة العلموية إما أن يكون مدركاً بطريقه أو بطريق خارج عنه، فإن كان إدراكنا لصحة هذا المنهج هو بذات المنهج فهو دور باطل، يحمل في طياته تناقضاً داخلياً، إذ لا يصح أن تجعل الدعوى مورداً للاستدلال لها أو عليها. أما إن كانت صحة هذا المنهج مدركةً بأمر خارج عنه فقد حصل المقصود بإمكان تحصيل المعرفة بهذا الخارج، وهو ما يدخل في مجالنا المعرفي ضرورةً مورد معرفي آخر ليس من طبيعة ذلك المورد.
2- بطلان جذرها الفلسفي:
إذ أصل فكرة العلموية قائم على أن مصادر المعرفة الإنسانية منحصرة في المدركات الحسية فحسب، وهذا الأساس غير صحيح، ودلائل بطلانه وخطئه كثيرة جدًا، فالحس ناقل معرفي لا حاكم معرفي، إذ الحاسة من حيث هي لا تصوب ولا تخطئ، وإنما تنقل الأمر للعقل الذي يؤدي هذا الدور، والعقل يشتمل على معارف ضرورية تنتهي إليها سلسلة المعارف النظرية.
فإن المعرفة البشرية إما أن تكون معرفة نظرية وهي لون من المعارف تستدعي نظرًا وتأملًا واستدلالًا، أو معارف ضرورية لا تتوقف على النظر والاستدلال كمبدأ السببية العامة، وعدم التناقض، وكون الجزء أصغر من الكل ونحو ذلك من الضروريات العقلية، فلو كانت المعرفة البشرية نظرية كلها، للزم من ذلك التسلسل في المعرفة أو الدور، فكل معرفة تتطلب دليلًا، وهو ما يفضي إلى امتناع تحصيل معرفة ما، إذ كل معرفة مفتقرة إلى معرفة سابقة دون نهاية، أو أن دليل المعرفة هو ذاتها وهو دور باطل يجعل من الدعوى حجة، فلا بد أن تنتهي المعرفة النظرية إلى معارف أولية تمثل نقطة الانطلاق المعرفي، وهذه النقطة وإن دخل في تشكيلها الحس، لكن الأمر لا يقتصر عليه بطبيعة الحال بل العقل والفطرة داخلة أيضًا.
3- منع إمكانية الوصول لفضاءات معرفية:
فمع الإقرار بأن العلوم الطبيعية قادرةٌ على تزويدنا بمعلومات وفيرة عن الظواهر الطبيعية فهذا لا يعني أنها قادرة على تزويدنا بمعلومات في كل المجالات الممكنة، فمن الخطأ الفادح قصر المورد المعرفي عليه وحده، فسبل التوصل إلى المعارف متنوعة بتنوع طبائع المعارف والعلوم. فلكل مجال معرفي أدواته المعرفية ومصادره، وبناءً عليه فمحاولة تعميم المنهج التجريبي ليكون مصدر المعرفة في كافة المجالات، واعتقاد أنه وحده الصالح لتقديم الإجابات على كافة التساؤلات إشكالية منهجية وعلمية حقيقية، تفضي بصاحبها ولا بد إلى مشكلات علمية متعددة.

وواقع المشهد العلمي والمعرفي بحد ذاته يكشف عن مثل هذه الإشكاليات، فالتاريخ مثلاً له موارده ومصادره المعرفية، وعلوم الرياضيات كذلك، وهكذا في كل المعارف والعلوم، فاعتقاد أن المنهج العلمي التجريبي هو وحده أداة تحصيل المعرفة، متناقض مع واقع التنوع في المجالات العلمية والذي يستتبع تنوعاً في طرائق العلم والمعرفة.
4- ضريبة النزعة العلموية:
الحقيقة أن ضريبة تبني هذه النظرة المغالية للعلم باهظة جدًا معرفيًا وخلقيًا وإنسانيًا، فطردها يدخلنا في ألوانٍ من السفسطة المعرفية، والنسبية الخلقية، بل هي تفضي إلى انتزاع كل قيمة للإنسان.
فحصر المعرفة في إطار العلوم التجريبية يفضي -وهو الواقع- إلى إنكار المعقولات الضرورية، وإنكارها يُسبب انهيار المنظومات العلمية، إذ هي ما يمثل اللبنات المعرفية الأولية التي يبنى عليها معرفيًا وبغيرها ندخل في دوامة السفسطة والمغالطة.
كما أن العلم التجريبي غير قادر على تحديد ما هو أخلاقي وغير أخلاقي، وهو ما أفضى بكثيرٍ ممن يتبنى هذه النظرة المغالية إلى ادعاء نسبية الأخلاق، وأن لكل شخص أو مجتمع أن يحدد ما يراه مناسبًا من الأخلاق، وهو يجرنا إلى فوضى أخلاقية، ويخالف ما نجده في أنفسنا من إدراكٍ ضروري بأن العدل مثلًا قيمة أخلاقية حسنة، وأن الظلم قبيح، وأنت إذا نزعت عن الإنسان معرفته وخلقه فماذا يبقى معه؟!
والخلاصة التي ينبغي أن نعيها: أن معارضة الوحي بالعلوم الطبيعية إنما ينشأ من سوء فهم للوحي، أو سوء فهم للعلم، وأن الحل هو في ضبط كل طرف، وإدراك المنهجية الشرعية الصحيحة في العلاقة بينهما، وأنها متى طبقت على نحو سليم، انزاحت كافة الإشكاليات المتعلقة بهذا الباب.

 

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى